صعد النقيب السابق عبد الرحيم الجامعي من انتقاداته لمشروع قانون مهنة المحاماة. معتبرا أن الدولة اختارت مواجهة المحامين بـ”قانون رديء وسيء يهاجمنا ويهاجم مبادئنا”. ويحاول تقويض الضمانات التي تقوم عليها وظيفة الدفاع في دولة الحق والقانون. مؤكدا أن المعركة الحالية لا تتعلق بمصالح فئوية، بل باستقلال المحاماة باعتباره ضمانة أساسية للمواطن وللمحاكمة العادلة. ومشددا على أن النضال ضد المشروع يجب أن يستمر حتى بعد دخوله حيز التنفيذ إذا تم اعتماده.
وقال الجامعي، خلال مداخلته في لقاء بهيئة المحامين بالرباط، إن الأزمة التي تعيشها المهنة اليوم ليست وليدة مشروع القانون الحالي. وإنما امتداد لخيار سياسي ومؤسساتي تتبناه الدولة منذ سنوات. هدفه إضعاف مكانة المحاماة داخل منظومة العدالة.
عقدة الدولة
وأكد أن استقلال القضاء واستقلال المحاماة وجهان لعملة واحدة. موضحا أن العدالة لا يمكن أن تقوم دون قضاء مستقل، كما لا يمكن أن تقوم سلطة قضائية حقيقية دون محام مستقل. معتبرا أن أي مساس باستقلال أحد الطرفين ينعكس مباشرة على مسار العدالة برمته.
وأوضح الجامعي أن الدستور، رغم عدم تنصيصه صراحة على دسترة المحاماة، يوفر الأساس الدستوري لاستقلالها من خلال تكريس دولة الحق والقانون في الفصل السادس. واستقلال السلطة القضائية في الفصل 117. معتبرا أن هذه المقتضيات تكفل للمحاماة مكانة دستورية لا ينبغي أن تتحول إلى “عقدة” لدى الدولة أو مسؤوليها.
وأضاف أن المحاماة، التي تضم آلاف المحامين و17 هيئة مهنية، وتمتد لأكثر من قرن من التاريخ بالمغرب. تستحق أن تحظى بالمكانة نفسها التي تحظى بها مؤسسات الحكامة الدستورية. لأنها تضطلع، إلى جانب القضاء، بضمان احترام الحقوق والحريات وضبط مسار العدالة. مشددا على أن استقلال المحامي ليس امتيازا ممنوحا للمهنة، وإنما ضمانة للمواطن قبل أي طرف آخر.
اختيار الدولة
وشدد الجامعي على أن الحق في الدفاع، المكفول دستوريا، لا يمكن أن يمارس إلا بواسطة محام مستقل. مؤكدا أن سحب الاستقلال عن المحامي أو إضعافه يعني عمليا تقويض الحق في المحاكمة العادلة. لأن المواطن لا يملك المعرفة القانونية التي تخوله مواجهة تعقيدات المساطر القضائية أو التعامل مع النيابة العامة أو قضاة التحقيق أو آليات التقاضي والطعن. وهي مهام لا يضطلع بها سوى المحامي.
وقال الجامعي إن ما يجري اليوم ليس اختيار وزير العدل أو رئيس الحكومة، وإنما “اختيار الدولة”. مضيفا أن الدولة ” تواجه شريحة قانونية بقانون رديء، سيء، ويهاجم مبادئنا”. معتبرا أن النص الجديد لا يكتفي باستهداف تنظيم المهنة. بل ينال من الضمانات التي تؤسس لوظيفة المحامي داخل منظومة العدالة.
وجدد الجامعي التأكيد على أن الهدف الاستراتيجي للمحامين يجب أن يظل هو دسترة مهنة المحاماة. بما يضمن تحصينها في أداء وظائفها، وحماية مؤسساتها المهنية. وتعزيز استقلالها في مواجهة أي تدخل. مستشهدا باجتهادات القضاء الدولي والدراسات الفقهية المغربية التي تعتمد باستمرار على المعايير الدولية والاتفاقيات الأوروبية المتعلقة بحقوق الدفاع. وحرية المحامي والحياة الخاصة وحرية التعبير.
المعايير الدولية
وأشار إلى أن المغرب، رغم أنه ليس عضوا في الاتحاد الأوروبي. يرتبط بشراكات والتزامات مع مجلس أوروبا في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان واستقلال العدالة. معتبرا أن هذه الالتزامات تجعل من الضروري احترام المعايير الدولية في كل ما يرتبط باستقلال المحاماة.
وفي المقابل، أبدى الجامعي تشكيكه في قدرة المحكمة الدستورية على حسم هذا النقاش. قائلا إنه لا يعول عليها للإجابة عن مطالب المحامين. واعتبر أن المحامين مطالبون بالاستعداد لكل الاحتمالات، سواء مر مشروع القانون أو تأجل أو تبنته حكومة جديدة بعد الانتخابات المقبلة. مؤكدا أن غياب الضمانات بعدم تمريره يفرض الاستعداد المسبق وعدم الاكتفاء بانتظار التطورات السياسية.
ورغم وصفه المشروع بـ”القانون الاستبدادي”. شدد الجامعي على أن المحامين، باعتبارهم رجال قانون، لا يمكن أن يدعوا إلى عدم تطبيق القانون إذا صدر. مستحضرا تجربة ظهير 1935 الذي خضع له المغاربة لسنوات، رغم الانتقادات الواسعة التي وجهت إليه. إلى أن تم إسقاطه لاحقا بعدما أدركت الدولة، حسب تعبيره، أن “القوانين الاستبدادية لا يمكن أن تستمر”.
دراسة التوقعات
وأكد أن المعركة ضد مشروع القانون لن تتوقف عند مرحلة المصادقة عليه. بل يجب أن تستمر مستقبلا بالنقد والترافع والعمل المهني. داعيا إلى مراجعة أساليب تدبير المعارك المهنية.
كما أكد أن الهيئات المهنية للمحامين لم تنجز “دراسة للتوقعات” قبل خوض معركة مشروع القانون. وهو ما جعلها، حسب قوله، تتفاجأ بعدد من التطورات والقرارات والمواقف الرسمية. وأكد أن المرحلة المقبلة تفرض اعتماد منهجية أكثر دقة في استشراف السيناريوهات. مع الحفاظ على وحدة الصف المهني والانضباط لقرارات الهيئات. إلى جانب توسيع الحوار مع المحامين والمحاميات. وصياغة خيارات نضالية قوية وناضجة للدفاع عن استقلال المهنة وصيانة مكانتها وعدم التفريط في حقوقها.

