بعد سنوات من الانتظار والأخد والرد، خرجت عائلات دوار النسائس بمنطقة أولاد العياشي (جماعة عامر – عمالة سلا) من دائرة المراسلات. حاملة ملفاتها ووثائقها وشهاداتها خلال ندوة صحفية نظمها فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بسلا. للكشف عن تفاصيل معاناتها بعد سنوات من هدم المساكن ونزع الأراضي دون تعويض أو إعادة إيواء. حيث أكدت الجمعية أن هذا الملف يكشف اختلالات خطيرة في تدبير مشروع إعادة تهيئة المنطقة، طالت أكثر من 500 أسرة.
وحضر المتضررون إلى الندوة حاملين وثائقهم وعقودهم وشكاياتهم التي قالوا إنها ظلت، لسنوات، دون جواب. في محاولة لإيصال صوتهم إلى الرأي العام بعد استنفاد مسار المراسلات والطلبات الموجهة إلى مختلف السلطات. وأكدت الجمعية أن فتح المنصة أمام العائلات. يهدف إلى تمكين أصحاب القضية من عرض معاناتهم مباشرة، بعدما ظل ملفهم، بعيدا عن الاهتمام الذي يستحقه.

وخلال الندوة، أوضحت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أنه توصل بطلبات مؤازرة من مواطنين تعرضت مساكنهم للهدم. أو انتزعت بقعهم الأرضية دون أن تشملهم الاستفادة من التعويض أو إعادة الإيواء. رغم أن المشروع نفسه شمل ترحيل ما يقارب 17 ألف أسرة. وأضاف أن تحرياته الميدانية، التي انطلقت بزيارة للمنطقة في الثالث من يناير 2026. أعقبتها لقاءات متعددة مع المتضررين وجمع للوثائق والعقود. كشفت، وفق تعبيره، عن وجود أكثر من 500 أسرة تم إقصاؤها من أي تسوية، من بينها أكثر من مائة أسرة كانت تقطن فعليا فوق عقاراتها.
وأشار الحقوقيون إلى توصلهمبعريضة تضم 367 اسما لأسر تؤكد إقصاءها من الإحصاء. معتبرين أن اللائحة لا تعكس سوى جزء من الحجم الحقيقي للمتضررين. كما أبرزت الجمعية أن الوثائق التي يتوفر عليها تتضمن عقود تفويت لبقع أرضية صودق على صحة إمضاءاتها من طرف مصالح جماعات ترابية مختلفة ما بين سنتي 2011 و2022. وهو ما اعتبره مؤشرا على علم السلطات بهذه المعاملات قبل مباشرة عمليات الهدم.
ورأت الجمعية أن السلطات لا يمكنها التنصل من مسؤوليتها، مادامت عمليات البيع والبناء والإقامة تمت لسنوات أمام أعينها. قبل أن تتحول فجأة إلى مبرر لإقصاء أصحابها من التعويض. وأضافت أن تحميل المواطنين وحدهم مسؤولية أي اختلال قانوني، إن وجد، يتجاهل الدور الذي لعبته الإدارات العمومية في تكريس هذا الواقع. سواء من خلال المصادقة على العقود أو التغاضي عن عمليات البناء.
ولم يقف انتقاد الجمعية عند مسطرة التعويض، بل امتد إلى الطريقة التي دبر بها الملف برمته. إذ اتهمت السلطات باعتماد معايير وصفتها بالغامضة والانتقائية في تحديد المستفيدين. وبإقصاء عائلات توجد في الوضعية نفسها التي استفادت منها أسر أخرى. معتبرة أن هذا الأمر يثير شكوكا حول سلامة عمليات الإحصاء والمعالجة الإدارية.
كما سجلت، وفق ما تم الإعلان عنه خلال الندوة. أن المتضررين منعوا في مرحلة أولى من تسجيل تعرضاتهم القانونية على مشروع تصميم التهيئة لدى مصالح جماعة عامر. قبل أن يضطروا إلى توثيق واقعة المنع بواسطة مفوضين قضائيين واللجوء إلى النيابة العامة. فضلا عن توجيه شكايات ومراسلات إلى عامل عمالة سلا ووزارة الداخلية وولاية الجهة ومؤسسة الوسيط. دون أن يلقوا، حسب الجمعية، أي استجابة تضع حدا لمعاناتهم. رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على بداية تحركاتهم.
واعتبر فرع الجمعية أن ما وقع يتجاوز كونه نزاعا عقاريا، ليشكل، حسب توصيفه، انتهاكا للحق في السكن اللائق والملكية والحيازة المستقرة. مستندا إلى مقتضيات الدستور المغربي والمواثيق الدولية ذات الصلة. وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. اللذين يكفلان الحق في السكن ويحظران الإخلاء القسري دون تعويض أو بديل مناسب.
وأكد أن آثار الملف لم تتوقف عند فقدان المساكن، بل امتدت إلى تشريد أسر بأكملها. وحرمانها من مدخرات استثمرتها في اقتناء الأراضي، وفقدان مصادر رزقها. وتهديد الاستقرار الدراسي للأطفال. فضلا عن تفكيك الروابط الاجتماعية التي تشكلت داخل الدوار عبر سنوات طويلة.
وجدد فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بسلا تحميل السلطات المحلية والإقليمية مسؤولية استمرار هذا الملف. مطالبا بفتح حوار عاجل مع ممثلي الأسر المتضررة. وإعادة تدقيق لوائح المستفيدين والمقصيين. وتمكين جميع الأسر التي حرمت من التعويض من حقها في جبر الضرر. سواء عبر تعويض مالي منصف أو إعادة إيواء لائقة. مع وقف أي عمليات هدم جديدة إلى حين التوصل إلى تسوية شاملة تحفظ حقوق المتضررين وكرامتهم.


