بقلم: مصطفى بن منصور
مع اقتراب الحسم في اللوائح الحزبية للاستحقاقات البرلمانية، بدأ يتضح مشهد لا يحتاج إلى كثير تأويل.
الاطلاع على أسماء المرشحين المعلنة حتى الآن يعيدنا إلى نفس الصورة: وجوه ترحل بين الأحزاب، وأسماء عائلية تعود من جديد، وتكنوقراط يمسكون بمفاتيح القرار داخل المكاتب المركزية منذ سنوات.
وفي المقابل، غياب لافت للشباب، وتراجع لدور القواعد، وصمت يخيم على قضايا جيل بأكمله.
السؤال لم يعد: من سيفوز بالمقعد؟
السؤال الحقي: أي برلمان نريد؟ وأي نخب سنضعها لتصنع قوانين المستقبل؟
1. الترحال السياسي: ولاء للمقعد لا للفكرة
صار تغيير الحزب مهارة انتخابية. سياسي يبدأ في حزب، وعندما لا يجد موقعاً ينتقل لآخر. يغير اللون والشعار والخطاب، لكنه يحتفظ بنفس الدائرة ونفس الشبكة.
هذا الترحال يضرب في صميم العمل الحزبي. الحزب في الأصل مشروع فكري وبرنامج مجتمعي. لكنه حين يتحول إلى “حافلة” توصل إلى البرلمان، يفقد المواطن الثقة. لم يعد يسأل عن البرنامج، بل يسأل: “مع من هذا اليوم؟”.
الأخطر أن هذا المنطق يُقصي المناضلين الحقيين. من قضى سنوات في التأطير داخل الحزب يجد الباب موصداً، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها للوافد الجديد القادم من حزب منافس.
النتيجة: أحزاب بلا ذاكرة، وبرلمانيون بلا انتماء، ومواطن لا يعرف من يمثله.
2. منطق العائلة: المقعد إرث لا استحقاق.
في دوائر كثيرة، تحول الترشح إلى تقليد عائلي. ابن فلان، زوجة فلان، شقيق رئيس الجماعة. الاسم العائلي صار علامة تجارية انتخابية تُورث من جيل لآخر.
هذا النموذج يحول السياسة من شأن عام إلى مقاولة خاصة. الدائرة الانتخابية تصبح “ملكاً”، والترشيح “حقاً مكتسباً”.
من يدفع الثمن؟ الكفاءات التي لا تنتمي لعائلات نافذة. الأستاذ، المهندس، الفاعل الجمعوي، الشاب المناضل… كلهم يصطدمون بجدار مكتوب عليه: “المقعد محجوز”.
والأدهى أن هذا المنطق لا ينتج سياسيين بقدر ما ينتج ورثة. أشخاص لم يمروا من الميدان، ولم يواجهوا الناس، لكنهم يجدون أنفسهم فجأة في قلب القرار التشريعي. فهل السياسة مهنة تُورث؟
3. هيمنة التكنوقراط: شركات سياسية بلا شارع.
دخل التكنوقراط على الخط منذ سنوات. أطر عليا وخبراء تسلموا مواقع متقدمة في المكاتب المركزية للأحزاب. يمتلكون أدوات التخطيط والتحليل والتواصل المؤسساتي.
الكفاءة مطلوبة، ولا أحد ينكرها. لكن المشكلة بدأت حين أصبح هؤلاء هم صُناع القرار الوحيدين.
تحولت بعض الأحزاب إلى هياكل تشبه الشركات. تُدار بالتقارير والمؤشرات والخطط، لكنها فقدت تواصلها مع القاعدة.
الفاعل الميداني الذي يعرف نبض الحي والقرية وجد نفسه متفرجاً. القرار لم يعد يُصنع في اللقاءات، بل في مكاتب مغلقة.
وهكذا خسر الحزب شيئين معاً: العمق الشعبي، والقدرة على سماع الناس.
4. غياب الشباب: صمت يقتل المستقبل.
الملاحظة الأبرز في كل اللوائح هي الغياب شبه الكامل للشباب. لا حضور لهم في الدوائر التنافسية، ولا في المراتب المتقدمة، ولا في مراكز القرار.
يُبرر البعض ذلك بـ “قلة التجربة”. لكن كيف سيكتسب الشاب التجربة إذا لم تُعط له الفرصة أصلاً؟
هذا الغياب لا يعني فقط غياب وجوه. يعني غياب قضايا: التشغيل، التعليم، الرقمنة، الثقافة، الهجرة. من سيحمل هذه الملفات في قبة البرلمان إذا لم يكن من عاشها؟
النتيجة الطبيعية هي العزوف. الشاب لا يرى نفسه في اللوائح فيختار عدم التصويت. ثم تُتهم الأحزاب الشباب بأنه “غير مهتم”. وهي حلقة مفرغة.
5. المواطن في الوسط: بين الإحباط والبحث عن البديل
في النهاية، الخاسر الأكبر هو المواطن. هو من سيقف أمام الصندوق ويجد نفس الأسماء. هو من سيسمع نفس الوعود. هو من سيتحمل نتائج اختيارات لم يشارك في صنعها.
هذا يخلق إحباطاً سياسياً عميقاً. إحباط يختزله الناس في جملة واحدة: “كلهم بحال بحال”. وهي جملة خطيرة لأنها تعني موت الأمل في التغيير عبر المؤسسات.
خاتمة: تجديد الوجوه أم تجديد العقلية؟
البلاد اليوم في حاجة إلى برلمان مختلف. برلمان يعكس المجتمع، ويحمل أسئلة المستقبل، ويقطع مع منطق الزبونية.
لكن هذا لن يحدث بإعادة تدوير نفس النخب. ولن يحدث بترك المقاعد للعائلات. ولن يحدث بإقصاء الشباب.
التجديد الحقي يبدأ بقرار داخل الأحزاب نفسها:
أولاً: القطع مع الترحال الحزبي وتكريس الالتزام بالبرنامج.
تانياً: فتح الباب أمام الكفاءات خارج منطق العائلة والنفوذ.
ثالثاً: منح الشباب مواقع متقدمة وليس مقاعد للديكور.
رابعاً: إعادة الاعتبار للفاعل الميداني داخل الحزب.
غير ذلك، سنكون أمام استحقاق جديد بنتائج قديمة. برلمان بأغلبية عددية، لكن بأقلية تمثيلية. موجود قانونياً، وغائب سياسياً عن هموم الناس.


