جسركم إلى الخبر

لم تكشف الأحداث التي شهدها مدينة سبتة المحتلة، عن تحديات مرتبطة بالهجرة غير النظامية فقط. بل أظهرت أيضا صراعا واضحا بين السرديتين المغربية والإسبانية في تفسير ما جرى وتقديمه للرأي العام. ففي الوقت الذي سعت فيه أطراف سياسية وإعلامية في إسبانيا إلى تأطير الأحداث باعتبارها أزمة تعكس ضعف قدرة المغرب على ضبط حدوده. وتثير تساؤلات حول دوره كشريك في تدبير الهجرة غير النظامية. تمسكت الرباط بمقاربة مختلفة، تؤكد أن ما وقع لا يمكن فصله عن حملات التضليل التي استهدفت الشباب. وعن ضرورة احترام سيادة الدول في معالجة هذا النوع من الملفات.

وفي خضم هذا الجدل، برز النقاش أيضا حول توقيت البلاغ الرسمي المغربي، الذي صدر بعد أيام من الأحداث. وما إذا كان يعكس تأخرا في إعلان الموقف الرسمي أم أنه جاء نتيجة طبيعية لحساسية القضية وتشعب أبعادها.

السردية الإسبانية في مواجهة الرواية المغربية

وفي هذا السياق قال المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي والأمني محمد عصام العروسي إن  الأزمة كشفت بالأساس صراعا بين السرديتين المغربية والإسبانية.  مضيفا أن البلاغ الحكومي جاء لتثبيت الرواية المغربية ووضع الأحداث في سياقها الحقيقي.

واعتبر العروسي في تصريح لموقع “سفيركم” إن القراءة الإسبانية للأحداث سعت إلى تقديم ما جرى باعتباره دليلا على أن المغرب غير قادر على حماية حدوده. وأنه شريك غير موثوق بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في تدبير الهجرة غير النظامية. وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، المنظور الأمني الأوروبي الذي يحاول تحميل المغرب مسؤولية حماية الحدود الجنوبية للقارة.

الإشاعات… الوقود الحقيقي للأزمة

وأضاف الخبير الاستراتيجي أن السردية المغربية تنطلق من مرتكزات مغايرة، إذ تؤكد أن المملكة ليست “دركيًا” لأوروبا أو لإسبانيا. وأن تدبير الهجرة غير النظامية يجب أن يقوم على المسؤولية المشتركة واحترام السيادة الوطنية، لا على تحميل طرف واحد تبعات الظاهرة.

وأوضح  المتحدث أن الأزمة كشفت أيضا حجم التضليل الذي تعرض له عدد من الشباب المغاربة. بعدما جرى إقناعهم، عبر الإشاعات والمحتويات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي. بأن العبور إلى سبتة سيكون ممكنا، وأن السلطات الإسبانية ستغض الطرف عن ذلك أو ستعمل لاحقا على تسوية أوضاعهم القانونية. وهي مغالطات دفعت الكثير منهم إلى خوض مغامرة غير محسوبة انتهت بنتائج مؤلمة.

واعتبر العروسي أن ما وقع أعاد كذلك ملف سبتة إلى واجهة النقاش، مبرزا  أن السردية المغربية تؤكد أن المدينة مغربية وتخضع للإدارة الإسبانية. في حين تستمر مدريد في التمسك بكونها مدينة إسبانية، وهو ما يعكس استمرار التناقض بين الروايتين حول هذا الملف.

البلاغ الحكومي… تثبيت للرواية المغربية

وفي قراءته لتأخر البلاغ الحكومي، أوضح العروسي أن الأمر لم يكن ناتجا  عن غياب للموقف الرسمي، وإنما فرضته الحاجة إلى استجماع مختلف عناصر القضية.  وفتح تحقيق، والوقوف على حقيقة المعطيات والأرقام المتداولة، بالنظر إلى حساسية الملف بالنسبة للمؤسسات الدستورية المغربية.

وأكد المحلل السياسي  أن البلاغ الحكومي جاء ليضع الأمور في نصابها، ويؤكد مستوى التنسيق القائم بين الرباط ومدريد في تدبير الأزمة.  لكنه في الوقت نفسه حمل رسائل سياسية واضحة. أبرزها رفض أي محاولة لتقديم المغرب باعتباره المسؤول الوحيد عن تدبير الهجرة غير النظامية. أو اختزال دوره في حماية الحدود الأوروبية.

وأضاف المتحدث ذاته  أن وزارة الداخلية كانت بحاجة إلى مزيد من الوقت حتى لا يؤثر تدبير هذه الأزمة على صورة المغرب والإنجازات التي حققتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. خاصة في ظل السياق السياسي الداخلي واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.  حيث كان من الضروري إصدار موقف يستند إلى معطيات دقيقة، لا إلى ردود فعل آنية.

وختم العروسي تصريحه بالتأكيد على أن البلاغ الحكومي أعاد تثبيت السردية المغربية تجاه ما جرى في سبتة.  سواء من خلال التأكيد على استمرار التنسيق مع الجانب الإسباني. أو عبر التشبث بالمواقف المغربية المرتبطة بالسيادة الوطنية، ورفض أي مقاربة تحاول تحميل المملكة وحدها مسؤولية أزمة تتداخل فيها عوامل أمنية وسياسية وإعلامية. وتتطلب معالجة مشتركة بين مختلف الأطراف.

شاركها.

التعليقات مغلقة.