بقلم: د اشرف بولمقوس
ليست أزمة سبتة الأخيرة سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأزمات والأحداث التي كشفت مرة أخرى، أن المغرب لا يخسر غالبًا في ميدان الوقائع، بقدر ما يخسر في ميدان الرواية. فمنذ سنوات، وفي كل محطة تهم المغرب، تتكرر الظاهرة نفسها: تتشكل رواية إعلامية سريعة، غالبًا ما تكون منحازة أو انتقائية، ثم تنتشر على نطاق واسع داخل الفضاءين المغاربي والعربي، لتصبح في نظر كثيرين حقيقة لا تقبل النقاش، حتى وإن كانت مبنية على المبالغة أو التأويل أو اقتطاع الوقائع من سياقها.
لقد حدث ذلك في أزمة سبتة، وحدث قبلها في نهائي كأس إفريقيا أمام السنغال، وحدث في العديد من القضايا السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. وفي كل مرة، تنجح وسائل إعلام في المشرق العربي، إلى جانب جزء معتبر من الإعلام المغاربي، في فرض روايتها على الرأي العام، بينما يبدو الإعلام المغربي، الرسمي والخاص والبديل، غائبًا أو متأخرًا أو منشغلًا بخلافاته الداخلية، فيترك المجال مفتوحًا أمام الآخرين لرسم صورة المغرب كما يريدون، لا كما هو في الواقع.
إن المشكلة لا تكمن في وجود انتقادات للمغرب، فالنقد مشروع وضروري، ولا توجد دولة فوق ذلك. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول النقد إلى صناعة صورة نمطية، وعندما تصبح كل أزمة مغربية مناسبة لتقديم المملكة باعتبارها دولة منهارة، وشعبها يعيش الفقر المدقع، ومؤسساتها عاجزة، ومستقبلها مسدود، بينما يتم التعامل مع مشاكل دول أخرى باعتبارها أحداثًا عابرة أو تفاصيل لا تستحق الاهتمام.
خلال أزمة سبتة الأخيرة، روجت بعض المنابر العربية لصورة توحي بأن المغرب يعيش أوضاعًا شبيهة بالمجاعات أو الانهيارات الاقتصادية، وكأن المواطنين يفرون من بلد فقد كل مقومات الحياة. والحقيقة أن المغرب، رغم كل الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها، لا يعيش هذا الواقع الذي جرى تسويقه إعلاميًا.
فإذا احتكمنا إلى المؤشرات الاقتصادية، فإن المغرب يمتلك الاقتصاد الأكثر تنوعًا في شمال إفريقيا، ويعد من أكبر اقتصادات المنطقة من حيث الحجم والتنوع. كما أن متوسط الأجور ومستوى الخدمات والبنية التحتية والقدرة على جذب الاستثمارات تتفوق، في المجمل، على كل دول الجوار. ولا يعني ذلك أن المغرب أصبح نموذجًا مثاليًا أو أنه تجاوز مشاكله البنيوية، بل يعني فقط أن الصورة التي رُسمت له لا تعكس الواقع.
كل دول شمال إفريقيا تواجه تحديات مشابهة، بل إن بعضها يعاني معدلات بطالة أعلى، أو هشاشة اقتصادية أكبر، أو أوضاعًا اجتماعية أكثر صعوبة. كما أن الشباب في المنطقة كلها يواجه تحديات متقاربة تتعلق بالتشغيل والهجرة وتحسين مستوى العيش. ومع ذلك، يظل المغرب، بصورة تكاد تكون دائمة، هو الدولة التي تُقدَّم باعتبارها الاستثناء السلبي، بينما تُحاط تجارب أخرى بهالة من الصمت أو التبرير.
وينطبق الأمر نفسه على المجال السياسي. فمن المعروف أن غالبية الدول العربية أنظمة سلطوية، بينما يصنف المغرب، وفق عدد من المؤشرات الدولية، ضمن الدول العربية الأكثر تقدمًا في مجالات المشاركة السياسية والحريات العامة، ( نظام هجين ) بالمقابل كل جل الدول العربية و المغربية في صنف الأنظمة المستبدة
و رغم ذلك، الخطاب الإعلامي السائد في جل المنابر يصر على تصوير المغرب وكأنه الدولة الأكثر استبدادًا في المنطقة، بل وتصل بعض المقارنات إلى حد تشبيهه بأنظمة مغلقة ومعزولة، في تجاهل تام للفوارق الموضوعية بين الحالات المختلفة.
لنعد للصغير لليومي، حتى على مستوى جودة الحياة، فإن زيارة ميدانية إلى دول المنطقة كافية لإدراك أن الواقع أكثر تعقيدًا من الصور النمطية المتداولة. فالمغرب، بما يملكه من بنية تحتية، وشبكات طرق، وخدمات، واستقرار نسبي، ومستوى معيشة، يقدم صورة تختلف كثيرًا عن تلك التي يسعى البعض إلى ترسيخها في الوعي العربي.
أما المؤسسة الملكية، فهي الأخرى لم تسلم من هذه الحملات. فبدل مناقشة السياسات والقرارات بموضوعية، يجري في كثير من الأحيان اللجوء إلى تأويلات مغرضة لطقوس الدولة المغربية أو لبروتوكولاتها، أو إلى اجتزاء معطيات صحيحة من سياقها لتكوين انطباعات مضللة. علما أن حصيلة مغرب محمد السادس هي الأفضل في المنطقة من حصيلة أي حاكم اخر
فخلال العقود الأخيرة في مجالات الصناعة، والاستثمارات، والطاقة، والمشاريع الاستراتيجية، تجعل تجربته مختلفة عن تجارب عديدة في المنطقة، فإن هذه الجوانب غالبًا ما تغيب عن السردية الإعلامية السائدة.
الدفاع عن المغرب لا يعني إنكار وجود مشاكله، ولا يعني تبني خطاب من نوع “العام زين”. فالمغرب يعاني بالفعل من اختلالات اجتماعية، وفوارق مجالية، وتحديات في التعليم والصحة والتشغيل، وهذه قضايا حقيقية تستحق النقاش والإصلاح. لكن الإنصاف يقتضي أيضًا أن يُقاس المغرب بالمعايير نفسها التي تُقاس بها الدول الأخرى، لا أن تُضخم سلبياته ويُتغاضى عن سلبيات غيره، أو أن يُحاكم بمعايير استثنائية لا تطبق على سواه.
إن جزءًا من هذه المشكلة موضوعي، ويرتبط بطبيعة الصراعات الإقليمية وتضارب المصالح، لكن جزءًا آخر تتحمل مسؤوليته النخب والمؤسسات الإعلامية المغربية نفسها. فمن غير المقبول أن يواجه بلد يتعرض باستمرار لحروب إعلامية منظمة بجهاز إعلامي ضعيف التأثير، محدود الانتشار، بطيء التفاعل، وغير قادر على صناعة رواية مقنعة للرأي العام الخارجي. والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات المغربية تتحول، عن قصد أو عن غير قصد، إلى مصدر لتغذية الروايات المعادية، عبر تقديم صورة مبتورة عن واقع البلاد، دون الحرص على وضعها في سياقها الصحيح أو مقارنتها بما يجري في محيطها الإقليمي.
إن العالم اليوم لا تحكمه الوقائع وحدها، بل تحكمه أيضًا الروايات. والدول التي لا تمتلك القدرة على شرح نفسها للآخرين، ولا تستثمر في إعلامها وفي قوتها الناعمة، تترك الآخرين يكتبون قصتها نيابة عنها. وعندما يحدث ذلك، تصبح الحقيقة أقل تأثيرًا من الصورة الذهنية، ويصبح الانطباع أقوى من الواقع.
لهذا، فإن المغرب لم يعد في حاجة إلى تحسين أدائه الإعلامي فحسب، بل إلى ثورة إعلامية حقيقية، قوامها المهنية والمصداقية والسرعة والكفاءة. ثورة تؤمن بأن الدفاع عن صورة الوطن لا تكون بالدعاية ، ولا بإنكار المشاكل، وإنما ببناء إعلام قوي، مستقل، محترف، قادر على كشف الحقائق، وتصحيح المغالطات، وإيصال الرواية المغربية إلى الداخل والخارج بثقة وموضوعية.
ففي زمن أصبحت فيه معارك الدول تُحسم على شاشات الهواتف ومنصات التواصل بقدر ما تُحسم في ميادين السياسة والاقتصاد، لم يعد امتلاك رواية قوية ترفًا، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدول.


