توفي، صباح اليوم الأحد 9 غشت 2026، الأستاذ موريس بوتان، المحامي بهيئة باريس ومحامي عائلة المهدي بن بركة، عن عمر يقترب من المائة عام. بعد مسار امتد لعقود في الدفاع عن الحقيقة والعدالة والذاكرة. ومناصرة المناضلين المغاربة والديمقراطيين، إلى جانب انخراطه الطويل في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
وكان بوتان، المولود بمدينة مكناس، ناشطا في الحياة السياسية بمكناس والرباط، كما ارتبط اسمه بتاريخ النضال الوطني والديمقراطي بالمغرب. وخلال فترة الحماية، دافع عن عدد كبير من المناضلين الوطنيين، قبل أن يواصل بعد الاستقلال الدفاع عن العديد من المناضلين المعارضين.
مرافقته لعائلة بنبركة
ويعد بوتان أحد أبرز الوجوه التي رافقت عائلة المهدي بن بركة في مسارها الطويل من أجل كشف حقيقة اختطاف واختفاء الزعيم الاتحادي. ووفق بلاغ عائلة بن بركة، فقد كان محاميا للعائلة لأكثر من ستين عاما، وجسد طوال هذه العقود، حسب العائلة، “النضال من أجل الحقيقة والعدالة والذاكرة”.
وكانت والدة المهدي بن بركة قد اختارت بوتان للدفاع عنها منذ الإعلان عن اختطاف ابنها، فيما كان المهدي قد أوصى شقيقاته، وفق البلاغ، بأنه في حال تعرضه لمكروه فعليهن اللجوء إلى الأستاذ بوتان.
وبعد وفاة والدة المهدي بن بركة وتقديم الشكاية سنة 1975 بشأن الاختطاف والاحتجاز التعسفي والاغتيال، واصل بوتان إلى جانب العائلة مسار المطالبة بكشف الحقيقة. كما كان، بحكم معرفته العميقة بتاريخ المغرب السياسي المعاصر، المحامي الوحيد منذ بداية القضية على إطلاع قضاة التحقيق وهيئة المحكمة الجنائية خلال سنتي 1966 و1967 على ملابسات وخلفيات الأحداث التي سبقت اختطاف المهدي بن بركة.
وبعد رحيل زميليه الآخرين، الأستاذة جيرمين سينيشال والأستاذ ليو ماتاراسو، ظل موريس بوتان المحامي الوحيد في القضية.
صديق العائلة
وتجاوزت علاقته بالعائلة، مع مرور السنوات، حدود العلاقة المهنية بين المحامي وموكليه، إذ تحولت إلى علاقة صداقة ذات طابع عائلي. وقالت عائلة بن بركة إن والدتهم كانت تناديه بـ”أخي”، معتبرة أن رحيله يترك فراغا كبيرا في المكانة التي احتلها في قلوب أفرادها.
وبعد وفاة الحسن الثاني وتولي الملك محمد السادس الحكم، وعندما قررت عائلة بن بركة العودة إلى المغرب سنة 1999، بعد 35 عاما من المنفى الاختياري. كان بوتان إلى جانبها رفقة زوجته مادو. كما كان ينضم إليهم، في 29 أكتوبر من كل سنة، بعد التجمع التأبيني أمام براسري ليب، في منزل والدة المهدي بن بركة، لقضاء أمسية عائلية واستعادة الذكريات.
وتؤكد عائلة بن بركة أن بوتان لم يكتف بالاشتغال القانوني التقليدي على الملف، بل واصل البحث عن الشهود، وأجرى التحقيقات والتحقيقات المضادة، واتصل بمسؤولين سياسيين فرنسيين ومغاربة والتقاهم. كما ساعد قضاة التحقيق الذين تعاقبوا على الملف على فهم تعقيداته وصعوباته، في محاولة للحيلولة دون تعثر التحقيق أمام العراقيل السياسية التي واجهها من جانب السلطات الفرنسية والمغربية.
ولم يقتصر نضال موريس بوتان على قضية المهدي بن بركة أو القضايا الديمقراطية والحقوقية في المغرب. فمنذ يونيو 1967، انخرط في الدفاع عن القضية الفلسطينية، واعتبرتها عائلة بن بركة «مهمة مستحيلة» أخرى سخر لها قواه الروحية والجسدية والسياسية.
وكان بوتان الرئيس المؤسس لجمعية التضامن فرنسا-فلسطين، كما تولى مسؤوليات في جمعيات أخرى، من بينها منصب نائب رئيس جمعية التضامن الفرنسي العربي. إلى جانب رئاسته الفخرية للجنة اليقظة من أجل سلام حقيقي في الشرق الأوسط.
النضال من أجل فلسطين
وخلال هذا المسار، عمل على تنظيم المؤتمرات واللقاءات، وواصل مخاطبة رؤساء الجمهورية والوزراء من أجل الدفع نحو اعتراف فرنسا بدولة فلسطين. وقد أفضى هذا المسار إلى منحه صفة مواطن فخري لفلسطين.
وكان الراحل من كبار الداعمين لحركة حقوق الإنسان في المغرب، كما ظل، وفق عائلة بن بركة، متمسكا حتى سنواته الأخيرة بالحقيقة بشأن اختطاف واختفاء المهدي بن بركة. وبالنضال من أجل الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
الابتعاد عن الحياة العامة
ومع تقدمه في السن وبلوغه مرحلة كان يقترب فيها من المائة عام، ابتعد بوتان تدريجيا عن الحياة العامة، وغادر باريس ليستقر في منطقة فوكلوز رفقة زوجته مادو. غير أن تقدمه في العمر لم يضع حدا لاهتمامه بالقضايا التي شكلت محور حياته السياسية والحقوقية.
واستحضرت عائلة المهدي بن بركة أن إيمان موريس بوتان العميق وقناعاته الراسخة شكلا مصدر تفاؤله وأمله في مواجهة صعوبات الحياة. مشيرة إلى أنه كان يردد دائما أنه “يتمنى أن يسمح له الرب بمعرفة الحقيقة بشأن مصير المهدي بنبركة”.
وفي نعيها للراحل، توجهت عائلة المهدي بن بركة إلى زوجته مادو وأبنائه وأحفاده بالتعازي. مؤكدة أن موريس بوتان لم يكن بالنسبة إليها “مجرد المحامي التاريخي للعائلة”، وإنما كان صديقا ورجلا ارتبط بها بعلاقة تجاوزت حدود المهنة.


