بقلم : ذ محمد أغناج محام بهيئة الدار البيضاء
استندت المحكمة الدستورية في قرارها رقم 26/317 الصادر بتاريخ 10/08/2026، والقاضي بتعذر البت في طلب فحص دستورية مقتضيات (مشروع) القانون رقم 23.66، والذي أحيل عليها من طرف رئيس مجلس النواب بتاريخ 08/07/2026، على تعليل يثير نقاشا قانونيا ودستوريا عميقا.
فالمحكمة عللت قضاءها بكون الإحالة لم يتم إرفاقها بنسخة رسمية من القانون المذكور وفق الصيغة التي صادق عليها مجلسي النواب والمستشارين في قراءة ثانية.
ولست هنا في معرض نقد العبثية التي رافقت هذا المشروع في مساره غير الطبيعي منذ بداية مسلسل تشريعه لغاية اليوم، وإنما أريد هنا أن أقف عند حدود نقطة مسطرية أعتبرها مهمة في مسار الفقه الدستوري والقضائي المغربي.
لأجيب على سؤال بسيط: هل المحكمة الدستورية لا يمكنها أن تسترشد بالقواعد المسطرية المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية عند نظرها في القضايا المعروضة عليها.
وأقصد هنا طبعا القواعد المسطرة التي لا تتعارض مع القواعد الخاصة بالمحكمة والمنصوص عليها في قانونها التنظيمي ونظامها الداخلي والقانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية، وخصوصا في الإجراءات المسطرية التي لم تتناولها تلك القوانين.
ذلك أن المحكمة الدستورية ما يمكنها الاستعانة بمقتضيات المادة 77 من قانون المسطرة المدنية وخصوصا الفقرة السادسة منها والتي تنص على ما يلي: ((ينذر رئيس الهيئة أو القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية، عند الاقتضاء، كل طرف أو وكيله أو محاميه، بتدارك البيانات غير التامة أو التي وقع إغفالها، أو بالإدلاء بنسخ المقال الكافية والمستندات المعتمدة في المقال، وذلك داخل أجل يحدده، تحت طائلة الحكم بعدم القبول)).
فإعمال هذه المادة كان يمكن أن يجنب المؤسسة الدستورية مسؤولية حرج صدور مثل هذا القرار الذي لا يمكن إلا أن يثير الالتباس ويخلق سابقة غير مفهومة.
وأعود هنا للسؤال الأصل في هذا التحليل:
هل المحكمة الدستورية لا يمكنها أن تسترشد بالقواعد المسطرية المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية عند نظرها في القضايا المعروضة عليها.
و أجيب في وجهة نظري: نعم، يجوز للمحكمة الدستورية الاستعانة بالقواعد العامة لقانون المسطرة المدنية وتطبيقها، بشرط ألا تتعارض مع المقتضيات الخاصة المنظمة لها (سواء الواردة في الدستور أو في القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية أو في نظامها الداخلي).
تُفسَّر هذه الإمكانية ومُحدداتها الإجرائية والقضائية وفق الضوابط التالية:
أولا: قانون المسطرة المدنية كـ “شريعة عامة” للإجراءات
يُعتبر قانون المسطرة المدنية الشريعة العامة (Droit commun) للإجراءات والمساطر القضائية في القانون الوطني.
عندما يكتنف النص المسطري الخاص بالمحكمة الدستورية غُموضٌ أو سكوت (فراغ إجرائي) بشأن مسألة معينة، تحيل المبادئ العامة للقانون على إمكانية سد هذا الفراغ بالرجوع إلى الأحكام العامة للمسطرة المدنية.
تـُطبق هذه القواعد باعتبارها تُجسد المبادئ المستقرة للعدالة الإجرائية وحسن سير العدالة.
ثانيا. شروط ومعايير التطبيق
لتطبيق قاعدة مسطرية مدنية أمام القضاء الدستوري، يجب توافر الشرطين الأساسيين التاليين:
غياب النص الخاص (حالة الفراغ الإجرائي): ألا يكون القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية أو نظامها الداخلي قد نظّم المقتضى بنص صريح.
عدم التعارض مع طبيعة القضاء الدستوري: ألا تتنافى القاعدة المدنية المراد تطبيقها مع خصوصية المنازعة الدستورية طابعها المباشر، والآجال الملزمة المقيدة بها المحكمة (مثل أجل الـ 30 يوماً للبت في القوانين).
ثالثا. أمثلة لقواعد مسطرية مدنية يمكن إعمالها
تتطابق بعض القواعد العامة للمسطرة المدنية مع طبيعة عمل المحكمة الدستورية وتُطبق أمامها:
القواعد المتعلقة بأهليّة التقاضي والصفة والمصلحة: خصوصاً في المنازعات الانتخابية التي تدخل في اختصاص المحكمة الدستورية.
إصلاح الأخطاء المادية: القواعد المتعلقة بتصحيح الأخطاء المادية المطبعية أو الحسابية التي قد تتسرب إلى القرارات الدستورية دون المساس بجوهر الحكم.
وسائل تحقيق الدعوى وإجراءات التحقيق: مثل إمكانية طلب المذكرات الجوابية، ضم المساطر عند وحدة الموضوع والسبب، أو الندب للتحقيق والاستماع للشهود/الخبراء عند الاقتضاء (في الطعون الانتخابية مثلاً).
قواعد تجريح الأعضاء: القواعد التي تضمن حياد واستقلال القاضي واستبعاده في حالة وجود تنازع مصالح، بما يستجيب لضمانات المحاكمة العادلة.
رابعا. القواعد التي يُمنع تطبيقها (لوجود التعارض):
في المقابل، هناك أحكام في المسطرة المدنية تستبعدها المحكمة الدستورية تماماً لمنافتها لخصوصية المادة الدستورية:
طرق الطعن العادية وغير العادية: (كالاستئناف، التعرض، النقض، أو إعادة النظر)؛ لأن قرارات المحكمة الدستورية تصدر نهائية وغير قابلة لأي طريق من طرق الطعن بحكم الدستور (الحجية المطلقة).
آجال المسطرة المدنية الطويلة: كالآجال الممنوحة للتبليغ أو الاستدعاء التي تتجاوز مدة الـ 30 يوماً أو الـ 8 أيام الإجمالية المحكومة بها المحكمة الدستورية للبت في القوانين والأنظمة الداخلية.
قواعد العلنية التلقائية والمواجهة الشفوية المطلقة: نظرًا لأن المسطرة أمام القضاء الدستوري في مجال مراقبة دستورية القوانين هي مسطرة كتابية وسرية في مداولاتها كأصل عام.
خامسا: أبرز الأمثلة الميدانية والتطبيقية من عمل المجلس الدستوري الفرنسي ومحاكم مقارنة أخرى:
1. تطبيقات المجلس الدستوري الفرنسي (Conseil constitutionnel)
أ. سد الفراغ الإجرائي عبر تطبيق “المبادئ العامة للقانون”
* المسألة: لم يكن القانون التنظيمي للمجلس الدستوري الفرنسي لسنة 1958 ينص بوضوح على كيفية التعامل مع الأخطاء المادية المطبعية أو الحسابية الواردة في القرارات الصادرة عنه.
* التطبيق: استناداً إلى القواعد العامة المستلهمة من قانون المسطرة المدنية الفرنسي (المادة 462 من CPC)، كرس المجلس الدستوري حقه في تصحيح الأخطاء المادية (Rectification d’erreur matérielle) بقرارات إضافية تلقائية أو بناءً على طلب Parties، دون النظر في جوهر النزاع مجدداً.
ب. استدعاء قواعد حقوق الدفاع والمواجهة (المسألة الأولوية للدستورية – QPC)
* المسألة: منذ إقرار نظام المسألة الأولوية للدستورية (QPC) سنة 2008، تحول المجلس الدستوري من مجرد هيئة فاحصة للنصوص إلى “محكمة تنازعية” تنظر في حقوق الأفراد.
* التطبيق: قام المجلس بصياغة نظامه الداخلي مستوحياً قواعد المسطرة المدنية المتعلقة بـ:
* تبادل المذكرات الجوابية (Contradictoire) وإقرار آجال للرد.
* شروط الصفة والمصلحة والأهلية لإيداع المذكرات الجوابية كطرف أصلي أو متدخل.
* إجراءات ضم القضايا (Jonction de procédures) عند وحدة الموضوع والسبب لتفادي تضارب القرارات.
ج. آلية تجريح الأعضاء وتنازع المصالح
* المسألة: لم تتضمن النصوص التأسيسية الأولى قواعد تفصيلية لحالة تنحي أو تجريح عضو بالمجلس الدستوري لوجود قرابة أو مصلحة شخصية.
* التطبيق: استعار المجلس المبادئ المستقرة في المسطرة المدنية المتعلقة بالحياد والنزاهة، وأدرج ضمن نظامه الداخلي إمكانية تقديم “طلب تجريح” (Récusation) ضد عضو من أعضائه وفق شكليات مشابهة لما هو معمول به أمام المحاكم العادية، لضمان استقلالية الهيئة.
2. أمثلة أخرى من القانون المقارن
أ. المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية (BVerfG)
* تُعتبر ألمانيا من أكثر الأنظمة صراحة في هذا المجال؛ حيث تنص المادة 35 من قانون المحكمة الدستورية الاتحادية (BVerfGG) على إمكانية تطبيق قواعد قانون القضاء الإداري وقانون المسطرة المدنية كقواعد تكميلية (Subsidiaire) عند وجود ثغرة إجرائية لم ينظمها القانون الخاص بالمحكمة.
* أمثلة تطبيقية:
* تطبيق أحكام المسطرة المدنية المتعلقة بـ تنفيذ القرارات وإمهال الأطراف.
* استكمال إجراءات الخبرة وسماع الشهود في منازعات حظر الأحزاب السياسية بالاعتماد على قواعد قانون المسطرة الجنائية والمدنية.
ب. المحكمة الدستورية الإيطالية (Corte Costituzionale)
* المادة 22 من قانون الممارسات الدستورية الإيطالي تحيل صراحة على قواعد قانون القضاء الإداري والمسطرة المدنية فيما يتعلق بالتصريحات الإجرائية، كـ:
* قواعد سقوط الخصومة بسبب الوفاة أو تغيير الصفة في النزاعات الانتخابية أو النزاعات بين الجهات والدولة.
* تحديد كيفيات تبليغ القرارات وضبط آجالها.


