من أضواء الحلبات الرياضية إلى مقاعد مجلس النواب، قطع مصطفى لخصم مسارا طويلا ومتقلبا قبل أن يصل إلى المؤسسة التشريعية، مسار جمع بين البطولات العالمية، ومحاولات انتخابية لم تكلل بالنجاح، فضلا عن تجربة في تدبير الشأن المحلي انتهت بالاستقالة، تلتها ملفات قضائية رافقت سنواته الأخيرة في العمل السياسي.
في ليلة الأربعاء 23 من شتنبر 2026، وجد لخصم نفسه أمام محطة مختلفة عن كل ما سبقها من تجارب. فقد تصدر النتائج الإنتخابية في دائرة صفرو، ليحجز أحد المقاعد الثلاثة المخصصة للدائرة، ويدخل مجلس النواب للمرة الأولى، بعد محاولتين سابقتين لم توصلاه إلى البرلمان.
لكن قصة الوصول إلى القبة التشريعية لم تبدأ من صناديق الاقتراع الأخيرة، بل من مسار سياسي امتد لأكثر من عقد، وتقاطعت خلاله الرياضة بالسياسة وتدبير الجماعة والقضاء.
وجه رياضي
قبل أن يصبح اسما انتخابيا معروفا في مدينة صفرو، صنع مصطفى لخصم شهرته فوق الحلبة الرياضية،حيث ارتبط اسمه لسنوات برياضتي الكيك بوكسينغ والفول كونتاكت، وحقق خلال مسيرته الرياضية ألقابا عالمية، من بينها 12 بطولة عالمية وفق المعطيات المتداولة عنه.
كما حظي بتكريم ملكي تمثل في حصوله على وسام من درجة فارس ودرجة ممتاز.ذلك الرصيد الرياضي منح لخصم حضورا جماهيريا سابقا على تجربته السياسية، وهو الحضور الذي ظل ملازما لاسمه عندما انتقل لاحقا إلى الانتخابات التشريعية وتدبير الشأن العام.
بداية سياسية
لم تكن الانتخابات محطة مفاجئة في مسار لخصم. فمنذ سنة 2011، خاض تجارب حزبية وانتخابية متتالية، تنقل خلالها بين أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاتحاد الدستوري، قبل أن يخوض انتخابات عام 2021 باسم الحركة الشعبية.
وفي انتخابات 7 من أكتوبر عام 2016، قاد لخصم لائحة الاتحاد الدستوري في دائرة صفرو، بعدما زكاه الحزب رسميا لخوض الاستحقاق، غير أن المحاولة لم تمنحه مقعدا في مجلس النواب.
وبعد خمس سنوات، عاد إلى المنافسة التشريعية، لكن من دائرة أخرى هذه المرة. فقد كان وكيلا للائحة الحركة الشعبية في الصخيرات-تمارة خلال انتخابات 8 شتنبر 2021، إلا أن النتائج لم تمكنه مجددا من الوصول إلى البرلمان، بعدما آلت المقاعد الأربعة للدائرة إلى التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري والأصالة والمعاصرة والاستقلال.
بوابة الجماعة
بعد أيام من انتخابات عام 2021، اتجه لخصم إلى تجربة مختلفة، وهذه المرة من بوابة الانتخابات الجماعية.
في 19 من شتنبر من السنة نفسها، انتخب رئيسا لجماعة إيموزار كندر بإقليم صفرو، بعدما حصل على 16 صوتا.
كان ذلك أول منصب انتخابي لافت يصل إليه لخصم، بعدما أخفق مرتين في بلوغ مجلس النواب. غير أن رئاسة الجماعة لم تكن طريقا هادئا،إذ سرعان ما ظهرت خلافات داخل المجلس حول طريقة التدبير وعدد من الملفات المحلية.
خلافات المجلس
في يونيو من العام 2022، تقدم 19 عضوا من أصل 28 بطلب لعقد دورة استثنائية، في سياق توتر بين رئيس المجلس وعدد من المستشارين.
حينها اتهم لخصم عددا من الأعضاء بمحاولة عرقلة عمل الجماعة وخدمة مصالح شخصية، في وقت تحدث فيه أعضاء من المعارضة عن ما وصفوه بـ”عشوائية التسيير”.
وتواصل الخلاف خلال شتنبر من السنة نفسها، بعدما رفض 19 مستشارا مجموعة من النقاط المدرجة في دورة استثنائية، من بينها تدبير قطاع النظافة وجمع النفايات، ومشروع السوق النموذجي، ورفع مستوى ترتيب المركز الصحي للمدينة.
وفي يوليوز سنة 2023، شهد المجلس انفراجا نسبيا، بعدما صادق أعضاؤه بالإجماع على نقاط الدورة الاستثنائية.
لكن الخلافات لم تنته بشكل نهائي، وظلت العلاقة بين رئيس الجماعة وعدد من أعضاء المجلس محكومة بالتوتر إلى أن أعلن لخصم، في مارس سنة 2025، استقالته من رئاسة الجماعة.
نهاية محلية
برر لخصم استقالته باستمرار ما وصفه بـ”البلوكاج”، وقال في فيديو نشره عبر صفحاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي”إنه جاء إلى الجماعة “كي يشتغل”، وإنه لا يريد أن تتحول المدينة إلى أزمة بسبب بقائه على رأس المجلس.
وخلال حديثه عن تجربته، استعرض عددا من المشاريع التي قال إنها أطلقت أو كانت في طور الإنجاز، من بينها تدبير قطاع النظافة، وتأهيل المستشفى، وإنجاز ملاعب للقرب، وتهيئة حديقة عين سلطان.
وباستقالته، أغلق لخصم مرحلة التدبير الجماعي، لكن ملفات أخرى ظلت مفتوحة أمام القضاء.
وفي 2026، وجد اسم لخصم نفسه في ملف قضائي أمام المحكمة الابتدائية بصفرو، إلى جانب ثلاثة أشخاص آخرين، في قضية تتعلق بشبهات تبديد أموال عامة والتزوير في محررات إدارية واستعمالها.
وخلال جلسات المحاكمة، أدلى عدد من المصرحين بمعطيات مرتبطة بملف العمال العرضيين والتعويضات، فيما نفى لخصم، عن طريق دفاعه، التهم المنسوبة إليه.
وفي يونيو سنة 2026، واصلت المحكمة النظر في القضية، قبل تأجيلها إلى جلسة لاحقة لاستدعاء باقي المصرحين.
وبالتوازي مع هذا الملف، دخل لخصم في قضية أخرى أمام المحكمة الابتدائية بالرباط، بناء على شكاية تقدم بها الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، دخل لخصم مرحلة جديدة في علاقته بالأحزاب.
ففي يونيو، أعلن أنه سيخوض الاستحقاقات بصفة مستقلة، رغم حديثه عن تلقيه عروضا من أحزاب أخرى، مفضلا في تلك المرحلة خوض المنافسة خارج الانتماءات الحزبية.
كما تحدث عن احتمال تأسيس حزب سياسي مستقبلا، بينما كان يبحث عن الصيغة التي سيخوض بها الانتخابات في دائرة صفرو، غير أن الموقف تغير خلال أسابيع قليلة.
وفي غشت 2026، أعلن لخصم انضمامه إلى حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، واختار خوض الانتخابات باسمه وكيلا للائحته في دائرة صفرو.
وهكذا انتقل من “السنبلة، رمز الحركة الشعبية، إلى “النخلة”، رمز الحركة الديمقراطية الاجتماعية، في تحول حزبي جاء قبل أسابيع قليلة فقط من موعد الاقتراع.
حملة شخصية
في صفرو، لم تبدأ الحملة الانتخابية بالنسبة إلى لخصم من الصفر،فاسمه كان حاضرا في الإقليم منذ تجربة رئاسة جماعة إيموزار كندر، كما أن مسيرته الرياضية منحته شهرة سابقة لدى فئات من الجمهور، وهو ما ظهر في حضوره خلال اللقاءات الميدانية وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
وخلال الحملة، ظهر اسم لخصم بشكل لافت إلى جانب رمز “النخلة”، وتحول المرشح نفسه إلى الواجهة الأساسية للائحة التي يقودها.
ركز لخصم في لقاءاته على التواصل المباشر مع المواطنين والدعوة إلى المشاركة السياسية والعمل من داخل المؤسسات، فيما رافق حضوره الانتخابي تفاعل واضح، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي 14 شتنبر 2026، حل الأمين العام لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية عبد الصمد عرشان بمدينة صفرو، للمشاركة في دعم لخصم خلال الحملة الانتخابية، داعيا الناخبين إلى اختيار من يمثلهم خلال الولاية التشريعية المقبلة.
ليلة الحسم
جاءت لحظة الحسم مساء الأربعاء 23 شتنبر،ففي النتائج الأولية، تصدر لخصم دائرة صفرو بعدما حصل على 15 ألفا و82 صوتا، متقدما على إدريس الشبشالي، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حصل على 8796 صوتا، ويوسف منضور، مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي حل ثالثا بـ6499 صوتا.
ومع استكمال الفرز وتجميع النتائج النهائية، ارتفع رصيد لخصم إلى 19 ألفا و608 أصوات، مقابل 10 آلاف و437 صوتاً لإدريس الشبشالي و8226 صوتاً ليوسف منضور.
هكذا اذا منحت هذه النتيجة لخصم أحد المقاعد الثلاثة المخصصة لدائرة صفرو، وفتحت أمامه للمرة الأولى باب مجلس النواب الذي ظل يحلم به كثيرا، بعد محاولتي أعوام 2016 و2021.
خديجة اسويس


