جسركم إلى الخبر

عصام الإبراهيمي – محامي بهيئة الدار البيضاء

كيف اعتبرت المحكمة الدستورية في قرارها رقم 255/25 المتعلق بقانون المسطرة المدنية أن عدم إرفاق الصيغة النهائية للقانون لا يحول دون استحضارها تلقائياً وممارسة الرقابة الدستورية، ثم اعتبرت في قرارها رقم 277/26 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة أن عدم إرفاق النسخة النهائية يجعل محل الرقابة غير متوفر واقعياً ويشكل مانعاً قانونياً يحول دون البت؟

السؤال هنا لا يتعلق بمناقشة المحكمة الدستورية من خارج اجتهادها، وإنما بمقارنة قرارين صادرين عنها في وضعيتين تثيران، ظاهرياً على الأقل، إشكالاً إجرائياً متقارباً.

ففي قرار المسطرة المدنية رقم 255/25، تبين للمحكمة أن الوثيقة المرفقة بالإحالة لم تكن الصيغة النهائية التي وافق عليها مجلس المستشارين، ومع ذلك لم تعتبر هذا النقص مانعاً من ممارسة اختصاصها، بل قررت «استحضار الصيغة النهائية للقانون» ثم واصلت فحص دستوريته.

أما في القرار رقم 277/26 بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، فقد اتخذت المحكمة موقفاً مختلفاً. فرغم أن رسالة رئيس مجلس النواب كانت واضحة في موضوعها، إذ تعلقت بإحالة القانون للبت في مطابقته للدستور، فإنها لاحظت أن النص النهائي الذي وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية لم يكن مرفقاً بالإحالة. وانتهت إلى أن عدم إرفاق «نسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد مراقبة دستوريته» يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية ويشكل مانعاً قانونياً

وهنا يظهر الإشكال بوضوح: لماذا أمكن استحضار النص النهائي في الحالة الأولى، ولم يعد ذلك ممكناً في الحالة الثانية؟

صحيح أن الفصل 132 من الدستور والمادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية يؤطران الإحالة وشروطها، وأن المحكمة أكدت في قرار المحاماة أنها لا تمارس رقابتها السابقة الاختيارية إلا وفق الكيفيات والإجراءات التي يحددها الدستور والقانون التنظيمي.

لكن الإشكال لا ينتهي عند هذه القاعدة؛ لأن السؤال يتعلق بكيفية تطبيقها من طرف المحكمة نفسها في اجتهاد سابق قريب زمنياً.

فإذا كانت النازلتان مختلفتين من الناحية القانونية أو الإجرائية اختلافاً يبرر النتيجتين، فإن بيان هذا الاختلاف كان سيحسم النقاش. أما إذا كان الأمر يتعلق بتغيير في تقدير المحكمة لأثر عدم إرفاق النص النهائي،

فإننا نكون أمام سؤال آخر يتعلق بالعدول عن اجتهاد سابق ومدى الحاجة إلى تعليل هذا العدول، خصوصاً عندما يؤدي الاختيار الجديد إلى عدم ممارسة الرقابة الدستورية أصلاً.

ولا يتعلق الأمر هنا بالقول إن المحكمة كانت ملزمة قانوناً بأن تطلب من رئيس مجلس النواب تصحيح الإحالة؛ فذلك يحتاج إلى أساس قانوني صريح. وإنما السؤال الأدق هو: ما الذي منعها من استحضار الصيغة النهائية للقانون، كما سبق لها أن فعلت في القرار 255/25؟

إن أهمية هذا السؤال تتجاوز قانون مهنة المحاماة نفسه، لتصل إلى مسألة أعمق تتعلق بالأمن القانوني واستقرار واتساق الاجتهاد الدستوري. فحين تتشابه الوقائع الإجرائية وتختلف النتائج، يصبح من المشروع أكاديمياً البحث عن المعيار القانوني الذي يفسر هذا الاختلاف.

ومن هنا، فإن القرار رقم 277/26 لا يثير فقط مسألة تعذر البت في دستورية قانون مهنة المحاماة، وإنما يفتح باباً أوسع للبحث في اجتهاد المحكمة الدستورية والمجلس الدستوري سابقاً: هل درج القضاء الدستوري المغربي على اعتبار النقص في وثائق الإحالة عيباً قابلاً للتدارك، أم أن قرار المسطرة المدنية رقم 255/25 كان حالة استثنائية؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستسمح بتحديد ما إذا كنا أمام اختلاف مبرر بين نازلتين، أم تطور في الاجتهاد، أم عدول عن منهج قضائي سابق كان يستوجب بيان أسبابه.

شاركها.

التعليقات مغلقة.