بعد حسم الناخبين لاختياراتهم في الاستحقاقات الانتخابية، تظهر مجددا إشكالية العلاقة بين الوعود التي تقدمها الأحزاب السياسية خلال الحملات الانتخابية وبين ما يتحول منها فعليا إلى سياسات وإجراءات على أرض الواقع، وما يستلزمه ذلك من إعادة النظر في طريقة اشتغال الأحزاب والحكومة والبرلمان معا.
في ذات السياق، أكد حميد النهري رئيس الجمعية المغربية للمالية العامة في تصريح لمنبر “سفيركم”، أن تحديد المشكل بدقة ينطلق من أن المسافة بين الوعد والانتظار لا ترتبط بالضرورة بسوء النية، بقدر ما ترتبط بغياب ما يجعل الوعد الانتخابي التزاما قابلا للقياس والمحاسبة.
ويقترح النهري في هذا الصدد خمسة منطلقات عملية، أولها الانتقال إلى برنامج حكومي بأرقام واضحة، بدل الاكتفاء بالإعلان عن الحقائب الوزارية.
وأوضح أن المفاوضات التي ستجري بعد الانتخابات ستقود في نهاية المطاف إلى تحالف، لكن السؤال الأساسي بحسبه، ينبغي أن يكون حول الأساس الذي سيبنى عليه هذا التحالف.
فإذا انحصر النقاش في توزيع الوزارات وعدد الحقائب التي سيحصل عليها كل طرف، فإن الأمر يصبح مجرد توزيع للمناصب، بينما يؤدي جلوس الشركاء حول برامجهم، من خلال تحديد ما يلتزم به كل طرف ونقاط الاتفاق والاختلاف، إلى بلورة برنامج حكومي مشترك.
وأكد المتحدث أن البرنامج الحكومي الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد “لائحة نوايا”، بل وثيقة تحدد بدقة ماذا سيتم إنجازه، وبأي تكلفة، ومن أي مصدر سيتم التمويل، وفي أي أجل، وبأي مؤشر سيتم قياس النتائج؟.
وفي النقطة الثانية، شدد النهري على ضرورة إرفاق كل التزام انتخابي بجدول للتمويل، معتبرا أن هذه السنة عرفت تطورا تمثل في دخول الأرقام إلى البرامج الانتخابية، وإعلان بعض الأحزاب عن كلفة برامجها، وهو ما اعتبره خطوة إيجابية من حيث الانتقال إلى لغة الأرقام.
غير أنه نبه إلى أن الكلفة ليست هي التمويل، موضحا أن الإعلان عن برنامج تبلغ كلفته مئات المليارات يجيب فقط عن سؤال “بكم”؟، بينما يبقى السؤال الأصعب هو “من أين”؟.
ويقترح النهري، في هذا الصدد، اعتماد قاعدة واضحة تقوم على إرفاق كل التزام بأربعة عناصر أساسية هي:الكلفة، ومصدر التمويل، والأجل الزمني للتنفيذ، ومؤشر لقياس النتيجة. وبذلك، حسب تصوره، يتحول البرنامج الانتخابي من وثيقة موجهة للإقناع خلال الحملة إلى وثيقة يمكن الرجوع إليها للمحاسبة بعد تولي المسؤولية.
أما المنطلق الثالث فهو لايقل أهمية عن ماسبق ذكره، حيث يتعلق بضرورة تقديم تقرير للحصيلة في منتصف الولاية، وليس عشية الانتخابات المقبلة.
ويعتبر النهري أن الإشكال يكمن في كون النقاش السياسي يستدعي المستقبل باستمرار، بينما يتم إهمال تقييم ما تحقق في الماضي، الأمر الذي يفرغ الوعد الانتخابي من كلفته السياسية. فغياب المحاسبة بعد مرور سنوات على تولي المسؤولية، وفق تصوره، يجعل من السهل رفع سقف الوعود في كل استحقاق انتخابي جديد.
وانطلاقا من ماسبق ، يقترح حميد النهري تقديم حصيلة مرحلية في منتصف الولاية التشريعية، تتضمن أرقاما قابلة للمقارنة مع الالتزامات التي سبق الإعلان عنها، بدل انتظار الأسابيع الأخيرة من الولاية، “حين يصبح التقييم متداخلا مع أجواء الحملة الانتخابية”.
البرلمان.. من التصويت العددي إلى التشريع والرقابة
وفي ما يتعلق بالبرلمان، يرى النهري أن المرحلة المقبلة تتطلب استعادة المؤسسة التشريعية لوظيفتيها الأساسيتين، التشريع والرقابة، مؤكدا أن الوعود الانتخابية لا يمكن أن تنفذ نفسها، لأن العديد منها يحتاج إلى قوانين ومساطر واعتمادات مالية.
وتابع النهري حديثه “لسفيركم” قائلا “إن ملفات من قبيل الضرائب والتقاعد والدعم والميزانية تحتاج إلى قواعد قانونية وقرارات مالية، ما يجعل البرلمان محطة أساسية تتحول فيها الوعود إلى قوانين وقرارات، أو لا تتحول.
وانتقد المتحدث ذاته ما وصفه بالمرور في بعض الولايات السابقة بمنطق العدد أكثر من منطق النقاش والتوافق، قائلا” إن رفع الأيدي قد يؤدي إلى تمرير النص، لكنه لا يضمن بالضرورة الوصول إلى قانون جيد”. وأشار إلى أن بعض النصوص قد تحتاج بعد فترة قصيرة إلى التعديل، أو تتأخر مراسيمها التطبيقية، أو تظهر أثناء التنفيذ إشكالات لم تكن محسوبة خلال مرحلة الإعداد، مضيفا أن نصوصا أثارت في بعض الحالات مواجهة مع المهن المعنية بها.
ويختصر النهري المفارقة التي يرى أنها طبعت المشهد البرلماني بالقول “إننا أمام أغلبية لا تتجرأ على الحكومة، ومعارضة لا تستطيع، معتبرا أن المتضرر في الحالتين هو العمل التشريعي نفسه”.
وبناء على ذلك، يشدد على ضرورة الفصل بوضوح بين العمل التشريعي والعمل الحكومي التنفيذي. مؤكدا أن النائب ليس امتدادا للحكومة، حتى عندما يكون منتميا إلى الأغلبية. وإنما تتمثل وظيفته في التشريع ومراقبة وتقييم السياسات العمومية.
وأشار الأستاذ الجامعي بكلية القانون بمدينة طنجة، إلى أن أدوات الرقابة البرلمانية موجودة ومنظمة دستوريا. من بينها الأسئلة الشفوية والكتابية، والجلسات الشهرية المخصصة للسياسة العامة لرئيس الحكومة، ولجان تقصي الحقائق، والمهام الاستطلاعية. وتقييم السياسات العمومية. كما تؤكد المعطيات الرسمية الخاصة بالعمل البرلماني أن الأسئلة الشفوية والكتابية تشكل بالفعل إحدى آليات مساءلة الحكومة ونقل انشغالات المواطنين.
لكن السؤال، بالنسبة إلى النهري. لا يتعلق بوجود هذه الأدوات، وإنما بمدى استعمالها والأثر الذي تنتجه.
فالجلسة الشهرية التي تتحول إلى مجرد تبادل للخطابات لا تحقق، في نظره، الغاية الرقابية المرجوة. كما أن السؤال الشفوي الذي لا تتم متابعة جوابه لا ينتج أثرا فعليا، ولجنة تقصي الحقائق التي لا تحدث. أو تحدث ولا تتم مناقشة تقريرها. لا تؤدي إلى محاسبة حقيقية.
الأحزاب.. وظائف تتجاوز الانتخابات
المنطلق الخامس الذي يقترحه النهري يتعلق بالأحزاب السياسية. التي يرى أنها ليست مجرد “ماكينات انتخابية”تنشط كل خمس سنوات. وإنما أسند إليها الدستور وظائف تتعلق بالتأطير والتكوين والوساطة بين المواطنين والمؤسسات.
وفي هذا السياق، يستند النهري إلى معطيات تقرير المجلس الأعلى للحسابات المتعلق بتدقيق حسابات الأحزاب السياسية برسم العام 2021. الذي خلص إلى وجود نقائص متكررة مرتبطة أساسا، بضعف البنيات التدبيرية والبشرية للأحزاب.
وأورد النهري، في هذا السياق، معطيات من تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تدقيق حسابات الأحزاب السياسية برسم العام 2021، أظهرت أن 38 في المائة من الأحزاب، أي 10 أحزاب من أصل 26 حزبا أجاب عن استبيان المجلس، لا تعد ميزانية توقعية لمواردها ونفقاتها. كما سجل التقرير غياب مسطرة رسمية لتحصيل المداخيل لدى 53.8 في المائة من الأحزاب. أي 14 حزباً من أصل 26 حزبا شملها الاستبيان.
ويرى النهري أن مطالبة الأحزاب بتأطير المواطنين والقيام بأدوارها السياسية والمؤسساتية تقتضي في المقابل امتلاكها أدوات وبنيات تنظيمية وتدبيرية. قادرة على القيام بهذه الوظائف.
إعادة بناء الثقة
يربط النهري مختلف هذه المقترحات بإشكالية أوسع تتمثل في إعادة بناء الثقة بين المواطن نفسه والمؤسسات السياسية.
وبالنسبة إليه، فإن هذه الثقة لا يمكن بناؤها من خلال حملات التواصل وحدها. وإنما عندما يرى المواطن علاقة واضحة بين ما قيل قبل الانتخابات وما تم فعله بعدها. وعندما يصبح قادرا على مقارنة الوعد بالنتيجة.
وخلص رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية إلى اختصار المرحلة المقبلة في ثلاث معادلات مترابطة مفادها، الأرقام تحدد ما تريد الأحزاب فعله. والتمويل وترتيب الأولويات يحددان ما تستطيع فعله فعلا. أما الحصيلة فهي التي ستحدد في النهاية ما قامت به فعليا.
خديجة اسويس


