جسركم إلى الخبر

بقلم: يوسف اغويركات

أعاد المحلل السياسي علي بوعبيد، في مقالته «1953/1955: من العمالة إلى الولادة السياسية للأمة»، فتح نقاش حول لحظة مفصلية من مسارنا الوطني. فقد استعاد ذكرى «ثورة الملك والشعب» من سياقها الاحتفالي المعتاد، ليضعها في سياق المساءلة السياسية الراهنة. كما عقد مقارنة بين «نخب الأمس» ــ من باشوات وأعيان في ظل الحماية ــ الذين ارتضى بعضهم القيام بأدوار وظيفية في خدمة منظومة استعمارية سعت إلى إضعاف السيادة الوطنية، وبين جوانب من أداء النخب الحزبية المعاصرة التي لم تنجح، في نظره، في تحويل المكتسبات الدستورية لما بعد 2011 إلى ممارسة ديمقراطية وتدافعية كاملة.

إن هذا التوصيف البليغ يتقاطع، بل يشكل خلفية تفسيرية، مع الأطروحة التي دافعتُ عنها في مقالي الصادر سنة 2019 بعنوان «ما بين العدمية السياسية وعقلية المخزن السلطوية: معاً من أجل الوطن والديمقراطية». ولم يكن ذلك المقال سوى محطة في مسار من الانشغال والتفاعل السياسي والمدني بدأ مع حركة 20 فبراير، التي انخرطتُ فيها بشكل مباشر، وعبّرتُ في حوار مع صحيفة «الخليج» الإماراتية سنة 2012 عن رؤيتي لمستقبل الحركة، مؤكداً أنها ستظل «يقظة ومتيقظة» مهما تعرضت لمحاولات الاحتواء أو التشويه. ثم واصلتُ هذا المسار عبر حراك الريف وزاكورة وجرادة، داعياً إلى فك الاشتباك عبر الحوار وإطلاق سراح المعتقلين، ومعالجة الملفات المرتبطة بالاحتجاجات بما يفتح الطريق أمام استعادة الثقة.

وفي خريف 2025، إبان حراك «جيل زد»، دعوتُ إلى الحكمة السياسية وبناء توافق وطني هادئ، بعيداً عن الروح الصدامية، ثم تقدمتُ بمقترح متكامل لحوار وطني شامل، يخاطب المؤسسات الدستورية والأحزاب والنقابات والجمعيات دون إقصاء. وقد تجاوب معه عدد من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين، وحتى بعض الكوادر السياسية، غير أن هذا التفاعل بقي في حدود مبادرات فردية متفرقة، ولم يتحول إلى مسار جماعي ملموس ومستدام.

ولعل هذه التجربة تطرح سؤالاً لا أدعي امتلاك جوابه النهائي: هل يتعلق الأمر بأنانية سياسية أو جمعوية؟ أم بضعف في ثقافة العمل المشترك؟ أم بعجز عن تحويل تعدد المبادرات إلى قوة اقتراح جماعية؟ من جهتي، لم أتوقف عن الحوار مع الفاعل السياسي والحقوقي والجمعوي، لأنني أؤمن بأن الاختلاف لا يلغي إمكان التواصل، لكن الحوار الفردي أو الثنائي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يعوض الحاجة إلى حوار مجتمعي شامل. ولذلك ما يزال هذا الحوار بالنسبة إليّ حلماً معلقاً، لا لأن شروطه مستحيلة، وإنما لأننا لم ننجح بعد في بناء الثقافة والآليات التي تجعل منه ممارسة جماعية مستدامة.

ومن هنا، وبعد أن تكررت الأعراض وتعثر عدد من الدعوات التي حاولت أن تكون هادئة وشاملة، أطرح محاولة لتسمية الجوهر بمفهوم أكثر دقة: «العدمية السياسية». ولا أقصد بها رفض السياسة أو المؤسسات في ذاتها، ولا موقفاً إيديولوجياً من الديمقراطية، وإنما حالة متراكمة من فقدان الثقة في جدوى الفعل السياسي والمؤسساتي، تنشأ حين يتكرر الانسداد إلى درجة يفقد معها المواطن اقتناعه بأن المشاركة والحوار والوساطة قادرة على إنتاج تغيير فعلي.

فإذا كان بوعبيد قد ركز على «الأداة والفاعل»، أي على العجز البنيوي للنخب الوظيفية وآليات التموقع والريع الانتخابي، فإنني انشغلتُ، عبر هذا المسار الممتد، بـ«النتيجة والأثر» في المجتمع؛ أي بما ينتجه استمرار هذا العجز من إحباط وانسداد وتآكل للثقة، وصولاً إلى صعود العدمية السياسية كحالة اجتماعية وسياسية.

إن «الولادة السياسية للأمة» التي تلت حدث نفي السلطان محمد بن يوسف سنة 1953، ثم عودته سنة 1955، لم تكن لتتحقق لولا تفاعل تاريخي بين قيادة وطنية ارتبطت بمشروع التحرر، وحاضنة شعبية آمنت بجدوى النضال والمقاومة، في سياق استعماري جعل استعادة السيادة قضية جامعة.

والمفارقة المقلقة اليوم أننا نعيش في ظل ترسانة قانونية ومؤسسات دستورية أكثر تطوراً، لكننا نواجه في المقابل أزمة في الروح السياسية التي يفترض أن تمنح هذه المؤسسات معناها وفعاليتها. فالمشكلة لا تكمن فقط في النصوص، وإنما في قدرة الفاعلين السياسيين على تحويلها إلى ممارسة حية، وفي قدرة المؤسسات على إنتاج الثقة والوساطة والتدافع الديمقراطي.

وتعاني قطاعات من النخب المعاصرة من أزمة في الإرادة والاستقلالية السياسية، بينما تراجع، في عدد من الحالات، دور الأحزاب من مختبرات لإنتاج الفكر والوساطة والتأطير إلى أدوار يغلب عليها تدبير الأزمات والبحث عن التموقع. وفي هذا السياق، برزت أشكال جديدة من «الأعيان» الذين توظف لديهم السياسة بوصفها مدخلاً إلى المصالح والوجاهة الاجتماعية أكثر مما هي مجال للخدمة العامة وصناعة البدائل.

هذا الخواء السياسي، وتراجع مضمون المؤسسات، يشكلان أحد أهم العوامل التي تغذي مشاعر اللامبالاة وفقدان الثقة، خصوصاً في أوساط من الشباب. فالعدمية السياسية، بهذا المعنى، ليست ترفاً فكرياً ولا رغبة طائشة في المقاطعة، وإنما يمكن أن تكون، في بعض تجلياتها، نتيجة اجتماعية لتراكم الإحباط حين تفقد الوسائط السياسية قدرتها على الإقناع بجدوى المشاركة.

ولا يعني ذلك اختزال ظاهرة الانسداد في علاقة ثنائية بين السلطة والنخب الحزبية؛ فالمجتمع المغربي نفسه تغير، وتغيرت معه أنماط الاحتجاج والتعبير والتواصل، كما أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل علاقة الأجيال الجديدة بالسياسة والمؤسسات. غير أن هذا التحول الاجتماعي لا يلغي مسؤولية المؤسسات والفاعلين السياسيين عن تجديد أدوات الوساطة، وتطوير خطابهم، واستعادة الثقة.

ومن هنا يمكن فهم الانسداد باعتباره نتيجة تفاعل بين عاملين أساسيين:

أولاً، عجز جزء من الفاعل الحزبي عن القيام بدوره الدستوري في الوساطة وتأطير المواطنين، وإنتاج البدائل، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات عمومية.

وثانياً، استمرار مقاربات سلطوية في تدبير بعض الأزمات الاجتماعية والسياسية، بما في ذلك اللجوء إلى المقاربة الأمنية حين كان يمكن أن يكون الحوار والوساطة السياسية والاجتماعية أكثر نجاعة.

فعندما يضيق مجال الحوار، وتتراجع هوامش التعبير، وتُضعف المبادرات المستقلة، فإن المواطن قد يجد نفسه أمام خيار الانكفاء، أو التشكيك المسبق في جدوى الإصلاح، أو التعامل مع اللعبة السياسية برمتها باعتبارها مجالاً لا ينتج تغييراً حقيقياً.

وهنا نصل إلى جوهر الإشكال: إن الانسداد لا تصنعه جهة واحدة بالضرورة، وإنما يمكن أن يكون نتاجاً لتفاعل بين عقلية سلطوية تتمسك بأدوات الضبط، ونخب أداتية أو وظيفية تتكيف مع هذا الواقع وتستفيد من امتيازاته، في وقت تتراجع فيه قدرة المجتمع على إنتاج وسائط سياسية مستقلة وقادرة على التعبير عن مطالبه.

وهي صورة تستدعي، مع اختلاف السياقات التاريخية جذرياً، تجربة بعض أعيان وقواد الأمس إبان الاستعمار؛ ليس من حيث التطابقُ بين المرحلتين، وإنما من حيث الوظيفةُ السياسيةُ التي يمكن أن يؤديها الفاعل المحلي حين تتحول الوساطة من خدمة المجال العام إلى خدمة منظومة الامتيازات.

لكن الفرق الجوهري أن المغرب اليوم ليس مغرب 1953. فقد تغيرت الدولة والمجتمع والمؤسسات، وتوسعت الحقوق والحريات، وأصبح لدينا دستور ومؤسسات وانتخابات وتعددية حزبية ومجتمع مدني وفضاء رقمي واسع. ولذلك فإن التحدي لم يعد هو مجرد بناء دولة وطنية مستقلة، وإنما تحويل الدولة الوطنية إلى دولة يشعر المواطن فيها بأن المؤسسات تمثله، وأن صوته يمكن أن يؤثر، وأن السياسة ما تزال قادرة على إنتاج التغيير.

وهذا هو الفارق بين وجود المؤسسات وامتلاكها لمضمون سياسي حي.

لقد ولدت الأمة المغربية سياسياً، في لحظة تاريخية مفصلية، من رحم الرفض والمقاومة والتعبئة الوطنية. أما التحدي اليوم فليس إعادة إنتاج تلك اللحظة في شروطها التاريخية المستحيلة التكرار، وإنما استعادة المعنى السياسي الذي جعل منها لحظة جامعة: الإيمان بإمكان الفعل، وبجدوى المشاركة، وبقدرة السياسة على فتح المستقبل.

إن استمرار التجاذب بين فقدان الثقة والسلطوية، وبين نخب ضعيفة الاستقلالية ومؤسسات لا تستثمر بما يكفي في تجديد شرعيتها الاجتماعية، يهدد، على المدى البعيد، السلم الاجتماعي ومستقبل البلد. ولذلك فإن الخروج من المأزق لا يحتاج فقط إلى تشخيص الخلل، وإنما إلى شجاعة سياسية تترجم في إجراءات ملموسة لبناء الثقة، وتصفية الأجواء السياسية، ومراجعة آليات إنتاج وفرز النخب، وإنهاء منطق «الدكاكين الانتخابية»، وتعزيز استقلالية الوساطة الحزبية والمجتمعية.

وفي مقدمة هذه الإجراءات، يظل إطلاق سراح المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، ومعالجة ما تبقى من ملفاتها بروح العدالة والإنصاف، وفتح قنوات حقيقية للحوار، من المداخل الضرورية لاستعادة الثقة وتجاوز حالة الاحتقان.

فالمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج «الولادة السياسية للأمة»، لأن التاريخ لا يعيد نفسه، وإنما منع انسداد السياسة من تحويل المواطن من فاعل في المجال العام إلى متفرج فاقد للثقة في جدوى المشاركة.

ذلك أن السياسة، في جوهرها، ليست مجرد انتخابات ومؤسسات ونصوص قانونية؛ إنها قبل ذلك كله إيمان بإمكان الفعل الجماعي، وبأن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى تدافع، والتدافع إلى بدائل، والبدائل إلى إصلاح.

وإذا كانت لحظة 1953 قد أظهرت قدرة المغاربة على تحويل الرفض إلى فعل وطني جامع، فإن مسؤوليتنا اليوم هي أن نحول الإحباط إلى أمل، وفقدان الثقة إلى مشاركة، والانسداد إلى أفق سياسي جديد.

فالشجاعة السياسية المطلوبة من الدولة لا تعفي المجتمع، بدوره، من مسؤوليته في بناء الفعل الجماعي؛ إذ لا يمكن استعادة الثقة إلا حين تلتقي إرادة الإصلاح المؤسساتي مع قدرة المجتمع على الحوار والتنظيم وإنتاج المشترك.

فاستعادة السياسة لمعناها، والمؤسسات لثقة الناس بها، والشباب لإيمانهم بأن التغيير السلمي والمؤسساتي ممكن، ليست ترفاً سياسياً؛ إنها إحدى ضرورات حماية الوطن والديمقراطية.

معاً من أجل الوطن والديمقراطية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.