بقلم: عادل البوعمري
أعاد تفاعل عبد الإله بنكيران ومخاطبته للملك محمد السادس في المقطع الذي نشره على صفحته الرسمية، النقاش العمومي في المغرب إلى نقطة البداية:
ما هي حدود التواصل السياسي بين الفاعلين الحزبيين ومؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي؟
سؤال بسيط، لكنه فجّر ضجة كبيرة. فهل ما قام به بنكيران هو “خروج عن المألوف” يستدعي كل هذا الاستغراب؟
أم أنه ببساطة رد فعل “طبيعي” من رئيس حكومة سابق يخاطب رئيس الدولة في قضية يراها مصيرية؟
وجب علينا أن ننطلق من صلب الوثيقة الدستورية.
الفصل 42 من دستور 2011 للمملكة المغربية ينص بوضوح لا لبس فيه: “الملك هو رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها…”
والفصل 48 كذلك ينص على أن “الملك يرأس المجلس الوزاري الذي يتألف من رئيس الحكومة والوزراء…”
[انظر الباب الثالث من الدستور، الفصول 41 إلى 59]
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار مخاطبة بنكيران للملك “بدعة سياسية”. لقد كان الرجل “رئيس حكومة سابقا”، أي أنه تقلد أعلى منصب تنفيذي في الدولة. وهذا ما كان يقتضيه سابقا المنطق السياسي والإداري، حين يرى أن القضايا المطروحة تتجاوز العمل الحكومي اليومي وتدخل في صميم “الملفات الكبرى” للمجلس الوزاري.
من القطعي والمؤكد أننا نختلف مع بنكيران طولا وعرضا في التقديرات والمواقف والاختيارات. وهذا حق سياسي مشروع.
لكن ما قاله بنكيران يطرح سؤالا أعمق: هل موقع الملك يجعله “مُنزّها” عن الخطاب السياسي المباشر؟ وهل أصبحت المؤسسة الملكية “مقدّسة” لدرجة لا يجوز معها مراسلتها إلا عبر قنوات بروتوكولية جامدة؟
من هذا المنطلق تفاعل ((البعض)) بغضب، معتبرين أنه “لا يجب على بنكيران أن يكلم الملك أو يتكلم عنه إلا باحترام تام”.
لكن الاحترام في العمل السياسي لا يعني الصمت ولا يعني التقديس. الاحترام هو أن تخاطب المؤسسة في إطار دورها الدستوري، وهو ما فعله بنكيران.
ولفهم حجم الضجة، لا بد من مقارنة سريعة بين “الملكية” في المغرب ونظيرتها في إسبانيا. فهما دولتان متجاورتان وملكيتان، لكن معادلة السلطة مختلفة تماما.
في إسبانيا مثلا، ينص الدستور على أن الملك “رئيس الدولة” و”رمز الوحدة” لكن دوره محصور في الجانب التمثيلي والتشريفي. لا يرأس الحكومة ولا يتدخل في السياسة اليومية. أما رئيس الحكومة فينتخبه البرلمان وهو السلطة التنفيذية الفعلية الوحيدة، ويتحمل المسؤولية كاملة أمام الشعب والبرلمان. لذلك فعندما تقع أزمة كأزمة “سبتة”، يتجه الشارع للمظاهرات ضد الحكومة والمطالبة باستقالة الوزراء، والملك يبقى خارج دائرة المساءلة.
أما في المغرب، فالملك حسب الفصل 42 المذكور أعلاه هو “رئيس الدولة” و”الحكم الأسمى” و”المسؤول الأول” عن التوجهات الكبرى، ويرأس المجلس الوزاري. بينما رئيس الحكومة يعيّنه الملك من الحزب الفائز ويبقى مسؤولا أمامه وأمام البرلمان، لكن حدود صلاحياته تظل غير واضحة دائما في الممارسة. هذه الازدواجية تجعل المساءلة ضبابية، فيحمّل المواطن المسؤولية “للحكومة” والحكومة تجيب بدورها بكل أريحيّة “هذا قرار سيادي” أو بمعنى أصح “هاذشي جاي من الفوق”.
نتيجة لذلك، وعند كل أزمة، يصبح الملك هو “المخاطب الأخير”. فنسمع الشريط الشهير من قبيل “بغينا سيدنا يدّخل” و “سيدنا اللي عطانا”. وعندما تفشل المؤسسات المنتخبة في إقناع الناس أنها صاحبة القرار، يلجأ الجميع – من المواطن العادي إلى رئيس الحكومة السابق – للبحث عن “المخاطب الأعلى” بغض النظر عن صراحة الحكومة الحالية ورئيسها والتي ربطت كل صغيرة وكبيرة بالرؤية الملكية والتوجيهات السامية.
باختصار: في إسبانيا الملك “يسود ولا يحكم”. وفي المغرب الملك “يسود ويملك ويحكم”. وهذا هو الفرق الذي يفسر لماذا يبدو حديث بنكيران “طبيعيا” في سياقنا و”استثنائيا” في سياق آخر.
وهنا نصل إلى لبّ الإشكال. الضجة لم تحدث بسبب المقطع فقط، فهي ليست المرة الأولى. بل لأن مثل هذا الحديث يكشف في كل مرة عن فراغ حقيقي في تدبير الشأن العام.
إذا كنا نريد فعلا أن ننتقل من “الاستثناء” إلى “القاعدة” – وفي ظل “الاستثناء المغربي!!” طبعا – فالضامن الحقيقي لهذه المعادلة هو الملكية البرلمانية وفصل السلط بشكل واضح وصريح. فغياب هذا الفصل هو ما يدفع الفاعلين السياسيين والرأي العام، بل وكل المغاربة، للبحث عن “المخاطب الأعلى” بشكل مباشر. من قبيل “عاش الملك” أو “بغينا سيدنا يدّخل” الشهيرة، أو كما يفعل بنكيران.. كلما تعقدت الأمور واشتدت الأزمات.
إن حديث بنكيران عن الملك لم يكن موجها لشخص الملك فقط. بل كان مرآة تعكس وضعنا السياسي بالمغرب كاملا.
مرآة تعكس أزمة الأحزاب، وعدم جدوى الانتخابات، وغموض حدود المسؤولية، وحاجة الناس لجهة تملك القرار وتتحمل التبعة.
ودائما..، فإن حديث عبد الإله بنكيران عن الملك محمد السادس لا يثير الجدل بسبب مضمونه فقط، بل لأنه يطرح سؤالا لا يريد أحد من هؤلاء جميعا الإجابة عنه: من المسؤول فعلا عما يقع؟


