بقلم: عبدالاله ابعيصيص
ونحن على بعد أسابيع قليلة من الانتخابات التي سيعرفها المغرب، سنعيش خلالها أجواء تنافس سياسي بين الأحزاب المغربية، التي من المفترض أنها أعدت برامجها الانتخابية التي ستعرضها على المواطنات والمواطنين، وبعيدا عن حكم القيمة الجاهز الذي يؤطر النقاش العمومي والذي يصف الأحزاب المغربية بالعقم الفكري والعجز النظري، حيث هناك شبه إجماع على أنها تهتم فقط بالتزكيات وما يرافقها من حروب وانتقالات. فضل الأستاذ والباحث والصحفي الهادئ طارق الشعرة أن يطرح للتداول موضوعا على صلة وثيقة بالانتخابات، ولكن ليس من باب ما سبقت الإشارة اليه من تعاطي نقدي تهجمي على التجربة الحزبية والانتخابية المغربية، وإنما من باب قراءة مكانة الاعلام في البرامج الانتخابية من خلال دراسة مقارنة بين المغرب واسبانيا وفرنسا.
يكشف هذا الكتاب، منذ الوهلة الأولى، عن عمل أكاديمي يتجاوز الوصف المباشر لمضامين البرامج الانتخابية، ليساهم في التأسيس لمقاربة تحليلية تعبر عن انشغالها بقراءة العلاقة بين الإعلام والسياسة من خلال الخطاب الحزبي وبرامجه الانتخابية. فالأستاذ طارق الشعرة مؤلف الكتاب والذي هو في الأصل جزء من اطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، لا ينطلق من الفكرة القديمة التي تعتبر الإعلام موضوعاً مستقلاً، بل اعتبره مدخلاً لفهم التصورات السياسية للأحزاب، ولمقاربة طبيعة المشروع الديمقراطي الذي تحمله، انطلاقاً من فرضية ضمنية مفادها أن مكانة الإعلام داخل البرنامج الانتخابي تعكس تصور الحزب للدولة، وللمجتمع، وللديمقراطية، وللعلاقة بين السلطة والمواطن.
يبدو ذلك جليا من الفصل الاول الذي خصصه لإبراز أهمية الاعلام في البرامج الانتخابية للأحزاب الوطنية وذلك من خلال الوقوف عند الحيز الذي يحتله الاعلام في البرنامج الانتخابي مع التركيز على أهداف ومحاور إصلاح الاعلام وفق البرامج الانتخابية. لقد انطلق الأستاذ طارق من قراءة تجربة حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التجمع للأحرار مع مرور سريع على تجربة العدالة والتنمية.
يتضح من قراءة سريعة للفهرس أن هذا الكتاب يقوم على بنية علمية متدرجة تجمع بين التحليل النظري والدراسة التطبيقية، حيث يبدأ بتأصيل الإطار المفاهيمي للإعلام في البرامج الانتخابية، قبل الانتقال إلى دراسة نماذج حزبية مغربية، ثم يوسع مجال المقارنة ليشمل تجربة الأحزاب الجهوية بإقليم الباسك الإسباني. وهذا التدرج لا يعكس مجرد ترتيب شكلي، وإنما يعبر عن وعي منهجي يجعل من المقارنة أداة للكشف عن اختلاف المرجعيات السياسية وانعكاسها على التصورات الإعلامية.
في شقه الأول، يركز الكتاب على تحليل البرامج الانتخابية لعدد من الأحزاب المغربية ذات المرجعيات المختلفة خصوصا اليسار كالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وفدرالية اليسار والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية بالإضافة الى التجمع الوطني للأحرار الذي اعتبره المؤلف نموذجا لأحزاب اليمين، قد نتفهم هذا التصنيف، وصحيح أنه اختيار يسمح بإبراز التباين في الرؤى السياسية للإعلام. وقد نتفهمه لكن ما يستعصي على الفهم هو إدراج حزب العدالة والتنمية ضمن أحزاب اليسار؟ فالمؤلف لا يكتفي بإحصاء عدد المرات التي يرد فيها مفهوم الإعلام داخل البرامج، وإنما يحاول استكشاف الفلسفة السياسية التي تحكم هذا الحضور. لذلك يتناول البرنامج الانتخابي لكل حزب في سياقه السياسي والفكري، ثم ينتقل إلى تحليل تصوره للإعلام والإصلاحات المقترحة، وعلاقته بقضايا الديمقراطية والجهوية والحكامة والعدالة المجالية والتنمية الاقتصادية. ومن خلال هذا المنهج يظهر أن الإعلام لا يقدم باعتباره قطاعاً تقنياً، بل باعتباره جزءاً من المشروع المجتمعي الذي يتبناه كل حزب.
الفصل الثاني يمثل نقلة نوعية في الدراسة، إذ يغادر المجال الوطني نحو تجربة إقليم الباسك بإسبانيا، من خلال تحليل البرامج الانتخابية لعدد من الأحزاب الجهوية، وفي مقدمتها الحزب القومي الباسكي (PNV)، والحزب الاشتراكي الباسكي، وحزب “إي إتش بيلدو” (EH Bildu). ويكشف هذا الاختيار عن رغبة المؤلف في بناء مقارنة لا تقتصر على اختلاف البرامج الانتخابية، وإنما تمتد إلى اختلاف السياقات السياسية والدستورية والمؤسساتية. فالإعلام هنا يدرس في إطار تجربة تتمتع بالحكم الذاتي، وهو ما يسمح بفهم تأثير طبيعة النظام السياسي في تشكيل السياسات الإعلامية للأحزاب، ويبرز كيف يصبح الإعلام جزءاً من مشروع بناء الهوية الجهوية أو تعزيز الديمقراطية المحلية.
ويعكس الكتاب أيضاً حضوراً واضحاً للمنهج المقارن، سواء على المستوى الداخلي من خلال مقارنة الأحزاب المغربية فيما بينها، أو على المستوى الخارجي من خلال المقارنة بين التجربتين المغربية والباسكية. وهذه المقارنة لا تبدو غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لفهم أثر المرجعية السياسية والإيديولوجية في تصور الإعلام، ومدى ارتباطه بقضايا الحريات، والتنمية، والمشاركة السياسية، والهوية، والحكامة.
كما تكشف فصول الكتاب عن اعتماد المؤلف على تحليل المضمون بوصفه الأداة الرئيسة للدراسة، إذ ينطلق من النصوص الرسمية للبرامج الانتخابية، ويعيد تفكيك مضامينها، وربطها بسياقاتها السياسية والفكرية. ويبدو واضحاً أنه لا يدرس الإعلام باعتباره مؤسسة قائمة بذاتها، وإنما باعتباره خطاباً سياسياً يعكس أولويات الأحزاب وتصوراتها للمجال العمومي، وهو ما يمنح الدراسة بعداً يتجاوز الإعلام كمادة معزولة للدراسة إلى تحليل الفكر السياسي المعاصر.
وتبرز من خلال قراءة فصول الكتاب جملة من عناصر القوة، أهمها جدة الموضوع، إذ إن أغلب الدراسات العربية تنشغل بدور الإعلام أثناء الحملات الانتخابية أو بتأثيره في السلوك الانتخابي، بينما يختار هذا الكتاب زاوية مختلفة تتمثل في تحليل حضور الإعلام داخل البرامج الانتخابية نفسها. كما يمثل الجمع بين التجربة المغربية وتجربة إقليم الباسك إضافة منهجية مهمة، لأنه يسمح بإبراز أثر السياق السياسي والدستوري في تشكيل السياسات الإعلامية، ويمنح الدراسة بعداً مقارناً يثري نتائجها ويجنبها الانغلاق داخل الحالة الوطنية.
ومع ذلك، فإن الأستاذ طارق حاول من خلال الكتاب أن يثير بعض الأسئلة النقدية التي قد تشكل مدخلاً لمناقشة الكتاب. فمن جهة، يبدو أن الدراسة تركز أساساً على الخطاب الانتخابي كما صاغته الأحزاب، دون أن يظهر من خلال تتبع فصول الكتاب اهتمامه بتقييم مدى ترجمة هذه الوعود إلى سياسات عمومية بعد الوصول إلى السلطة. لأن غاية الكتاب في تقديري كانت هي تسليط الضوء على مدى اهتمام الأحزاب بالاعلام كسياسة وليس كآلية انتخابية. كما أن اختيار عدد محدود من الأحزاب المغربية، رغم أهميته المنهجية، قد لا يعكس بصورة كاملة تنوع الحقل الحزبي المغربي، خاصة في ظل اختلاف المواقع السياسية والتنظيمية للأحزاب. ويضاف إلى ذلك أن التحولات الرقمية المتسارعة، وصعود وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها فاعلاً مركزياً في المجال الإعلامي والسياسي، لا تبدو حاضرة بقوة في متن الكتاب، وهو ما قد يحد من شمولية المقاربة في سياق يعرف تغيراً عميقاً في أنماط الاتصال السياسي.
وعموماً، يقدم الشعرة في كتابه القيم هذا صورة عن عمل علمي متماسك في بنائه، واضح في منهجه، يجمع بين التحليل النظري والدراسة التطبيقية والمقارنة الدولية، ويقترح قراءة للإعلام بوصفه مؤشراً على طبيعة المشروع السياسي للأحزاب. فالإعلام، في منظور هذا الكتاب، ليس مجرد وسيلة للتواصل أو أداة للدعاية الانتخابية، وإنما يمثل مرآة تعكس تصور الأحزاب للدولة والديمقراطية والحقوق والحريات، وهو ما يجعل دراسة مكانته داخل البرامج الانتخابية مدخلاً لفهم التحولات التي يعرفها الفكر السياسي الحزبي، سواء في المغرب أو في التجارب المقارنة.
في المحصلة الكتاب يركز على دراسة العلاقة بين الإعلام والعملية الانتخابية، من خلال تحليل حضور قضايا الإعلام داخل البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية في ثلاث تجارب ديمقراطية هي المغرب وإسبانيا وفرنسا، للكشف عن موقع الإعلام في التصورات السياسية للأحزاب ومدى اعتباره أولوية في الإصلاح الديمقراطي.
لقد انطلق المؤلف من فكرة أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح فاعلا مؤثرا في تشكيل الرأي العام وتوجيه السلوك الانتخابي، ولذلك فإن السياسات الإعلامية التي تقترحها الأحزاب تعكس رؤيتها للديمقراطية وللحريات العامة.
كما أن الدراسة خلصت إلى أن التجربتين الفرنسية والإسبانية أولتا اهتماما أكبر بالإعلام داخل البرامج الانتخابية، سواء من خلال التأكيد على استقلالية وسائل الإعلام حماية حرية الصحافة وتطوير الإعلام العمومي إضافة إلى مواكبة التحول الرقمي وتنظيم الإعلام السمعي البصري. أما في الحالة المغربية، فتبين الدراسة أن حضور الإعلام في البرامج الانتخابية ظل محدودا ومتفاوتا بين الأحزاب، وغالبا ما يرد في إطار شعارات عامة دون تقديم تصورات دقيقة أو برامج إصلاحية متكاملة، مما يعكس أن قضايا الإعلام لا تزال تحتل مرتبة ثانوية مقارنة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية.
كما يبرز الكتاب أن البرامج الانتخابية المغربية لا تمنح الإعلام المكانة التي يستحقها باعتباره أحد شروط بناء الديمقراطية وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يفسر ضعف النقاش العمومي حول السياسات الإعلامية أثناء الحملات الانتخابية.
وتؤكد الدراسة أن الإعلام يشكل أحد مؤشرات نضج التجربة الديمقراطية، وأن الاهتمام به داخل البرامج الانتخابية يعكس مدى وعي الأحزاب بأهمية حرية التعبير والتعددية واستقلال المؤسسات الإعلامية.
وتخلص إلى أن تطوير المشهد الإعلامي لا يمكن أن يتم فقط عبر التشريعات، وإنما يحتاج أيضا إلى إرادة سياسية واضحة و برامج انتخابية تتضمن إصلاحات إعلامية دقيقة دون إغفال أهمية دعم استقلالية المؤسسات الإعلامية, تأهيل الإعلام العمومي والخاص بالاضافة إلى مواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية.
يمكن تلخيص الرسالة الأساسية للكتاب في رغبة الباحث والكاتب والصحفي طارق الشعرة الدفاع عن مكانة الإعلام داخل البرامج الانتخابية لأنه يعتبرها مؤشرا على مستوى الوعي الديمقراطي للأحزاب السياسية. لأن التعبير عن الموقف أحيانا يكون من خلال البحث والدراسة وليس فقط برفع الشعار أو ادعاء الانتماء إلى توجه معين. فكلما كان الاهتمام بالإعلام أكبر وأكثر تفصيلا، دل ذلك على إدراك أعمق لدوره في ترسيخ الديمقراطية، بينما يكشف ضعف حضوره عن قصور في تصور الإصلاح السياسي الشامل. فمن خلال المقارنة بين المغرب وإسبانيا وفرنسا يساعدنا الشعرة على قراءة الموضوع نقدية تدعو إلى الارتقاء بالنقاش حول الإعلام من مجرد قطاع تقني إلى قضية سياسية وديمقراطية استراتيجية ترتبط بالحكامة، والشفافية، وحقوق المواطنين في الوصول إلى المعلومة والتعبير الحر.


