عاد الترحال الحزبي إلى واجهة المشهد السياسي المغربي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. في ظل جدل متصاعد بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار. وتبادل للاتهامات بشأن استقطاب مرشحين من أحزاب أخرى. في ما أصبح يوصف سياسياً بـ”سرقة المرشحين”.
وتشير معطيات أولية إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة قد يكون هذه المرة متجها إلى تصدر قائمة الأحزاب الأكثر استقطابا لمرشحين. كانوا ينتمون إلى تنظيمات سياسية أخرى. في تحول محتمل عن الصورة التي أفرزتها انتخابات 8 شتنبر 2021، حين تصدر التجمع الوطني للأحرار قائمة الأحزاب الأكثر استقطابا للوافدين. بينما كان “البام” أكبر الخاسرين من حيث عدد المنتخبين الذين غادروا صفوفه.
ولا تبدو هذه التحولات مجرد تفاصيل مرتبطة بإعادة ترتيب لوائح الترشيح. إذ إن استقطاب مرشحين سبق لهم خوض الانتخابات وراكموا حضورا محليا يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في موازين القوى داخل الدوائر الانتخابية. خصوصا عندما يتعلق الأمر ببرلمانيين ورؤساء جماعات ترابية يمتلكون شبكات انتخابية وقواعد دعم محلية.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة سؤال الترحال الحزبي باعتباره أحد مظاهر التنافس الانتخابي. بعدما أظهرت انتخابات 2021 أن انتقال المرشحين والمنتخبين بين الأحزاب كان واسعا. وأن عددا مهما من هؤلاء الوافدين تمكنوا بالفعل من تحويل انتقالهم السياسي إلى نتائج انتخابية.
الأحرار في الصدارة و”البام” أكبر الخاسرين في 2021
وتكشف معطيات دراسة سابقة أنجزها الدكتور عبد المنعم لزعر، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، حول “الترحال الحزبي وتحديد الخريطة الانتخابية بالمغرب”. أن مختلف الأحزاب السياسية كانت معنية بظاهرة انتقال المرشحين والمنتخبين خلال انتخابات 2021. بدرجات متفاوتة، باستثناء حزب العدالة والتنمية الذي لم يستقطب أي وافد، مقابل فقدانه 11 منتخباً، بينهم أربعة برلمانيين.
وتصدر حزب التجمع الوطني للأحرار قائمة الأحزاب الأكثر استقطابا للوافدين. بعدما استقبل 39 وافدا، بنسبة بلغت 42.39 % من لوائحه، مقابل فقدانه 20 منتخبا.
وجاء حزب الاستقلال في المرتبة الثانية بـ28 وافدا، بنسبة 30.43 % من لوائحه، مقابل فقدانه 15 منتخبا، فيما استقطب حزب التقدم والاشتراكية 24 وافدا، بنسبة 26.37 %، مقابل فقدانه 12 منتخبا.
كما استقبل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 21 وافدا، بنسبة 22.82 %، مقابل فقدانه 11 منتخبا، بينما استقطب الاتحاد الدستوري 15 وافدا، بنسبة 24.19 %. وفقد في المقابل ثمانية منتخبين.
في المقابل، سجل حزب الأصالة والمعاصرة أكبر خسارة من حيث عدد المنتخبين المغادرين، بعدما فقد 36 منتخبا. بينهم 14 برلمانيا وتسعة رؤساء جماعات ترابية، مقابل استقطابه 12 وافدا فقط، بنسبة 13.04 %.أما الحركة الشعبية، فاستقبلت تسعة وافدين بنسبة 11.39 %، مقابل فقدانها 17 منتخبا.
وتبرز هذه الأرقام أن ظاهرة الترحال لم تكن مقتصرة على حزب بعينه، وإنما شكلت جزءا من آليات التنافس الانتخابي خلال تلك الاستحقاقات، مع تفاوت واضح بين الأحزاب في قدرتها على استقطاب وافدين أو الحفاظ على منتخبيها.
البرلمانيون ورؤساء الجماعات.. الرهان على “الرأسمال الانتخابي”
وتكشف المعطيات أن عمليات الاستقطاب خلال انتخابات 2021 ركزت بشكل خاص على المنتخبين الذين يمتلكون رصيدا انتخابيا وتجربة ميدانية وشبكات محلية. وفي مقدمتهم البرلمانيون ورؤساء الجماعات الترابية.
وشملت حالات الترحال المرتبطة بالصفة البرلمانية 50 مرشحا وافدا. وتصدر التجمع الوطني للأحرار هذه الفئة بـ18 برلمانيا وافدا، يليه حزب الاستقلال بـ9 برلمانيين، ثم الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري والتقدم والاشتراكية بـ6 برلمانيين لكل حزب. فيما استقبل الأصالة والمعاصرة أربعة برلمانيين وافدين.
وعلى مستوى رؤساء الجماعات الترابية، شملت حالات الترحال 44 رئيسا. واستقطب حزب الاستقلال 10 رؤساء، يليه التجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية بـ9 رؤساء لكل منهما. فيما استقبل كل من الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية أربعة رؤساء جماعات.
وتعكس هذه النتائج أن الترحال الحزبي خلال انتخابات 2021 لم يكن مجرد انتقال في الانتماء السياسي، بل ارتبط في عدد من الحالات بحسابات انتخابية تستهدف استقطاب شخصيات تمتلك ما يمكن وصفه بـ«الرأسمال الانتخابي الجاهز»، بما يشمله من حضور محلي وشبكات من العلاقات والأنصار وتجربة سابقة في خوض الانتخابات.
ومن هذه الزاوية، تكتسب الاتهامات المتبادلة حاليا بين «البام» والأحرار بشأن استقطاب المرشحين دلالتها السياسية. خصوصا إذا أكدت المعطيات النهائية أن الأصالة والمعاصرة انتقل من موقع أكبر خاسر من حيث عدد المنتخبين المغادرين في 2021 . إلى موقع أكبر مستقطب للمرشحين في الاستحقاقات المقبلة.
فإذا تحقق هذا التحول، فإن خريطة الترحال الحزبي نفسها ستكون قد عرفت تغييراً لافتاً خلال فترة قصيرة. بما يعكس طبيعة المنافسة الانتخابية القائمة على استقطاب الوجوه القادرة على المنافسة محليا، ويطرح في الوقت ذاته سؤالاً حول مدى قدرة هذه الانتقالات على إعادة رسم الخريطة الانتخابية المقبلة، كما حدث جزئياً في انتخابات 8 شتنبر 2021.


