بقلم: يوسف الساكت
لأستاذ عبد الله البقالي، تحية مهنية صادقة وبعد،
نكتب إليك هذه الكلمات ليس تقليلا من مسار فكري وسياسي ونقابي طبع مشهد الصحافة المغربية لعقود، بل مدفوعين بأسئلة ملحة يفرضها واقع المهنة اليوم، وتتردد في كواليس الجسم الصحافي الذي واكبتم تفاصيله منذ بداياته الأولى.
لقد قضيتم سنوات طويلة في قلب المعارك المهنية، وتدرجتم في أروقة حزب الاستقلال، وتقدتم الشبيبة، وترأستم تحرير أعرق الصحف الحزبية، وكنتم في طليعة المدافعين عن حقوق الصحافيين عبر النقابة الوطنية للصحافة المغربية وفي الهيئات العربية، وصولا إلى موقعكم في المجلس الوطني للصحافة.
هذا المسار الطويل والمركب يجعلنا اليوم نقف أمام مفارقة تستحق التأمل والنقاش، وهي إصراركم على الاستمرار في الترشح لشغل مناصب قيادية في مؤسسات التنظيم الذاتي للمهنة، رغم أنكم جربتم كل المواقع الممكنة وعشتم تفاصيلها لسنوات طوال.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بصدق وعفوية هو:
لماذا العودة مرة أخرى؟
ألم يحن الوقت بعد كل هذه العقود من العطاء والنضال لأخذ قسط من الراحة وترك هموم المهنة ومشاكلها لجيل جديد؟
إن قطاع الصحافة والإعلام في المغرب يمر اليوم بمنعطف تاريخي حاسم يتسم بتحولات رقمية متسارعة، وتحديات اقتصادية وهيكلية معقدة، وأزمة خانقة تمس لقمة عيش الصحافيين الشباب وظروف عملهم اليومية.
وأمام هذه التحديات الجديدة، يبدو القطاع المهني في حاجة ماسة إلى ضخ دماء جديدة، وإلى رؤى شابة تواكب روح العصر وتمتلك طاقة مغايرة لمواجهة الواقع الحالي، بعيدا عن الصيغ التقليدية والوجوه المألوفة التي ارتبطت بالمراحل السابقة.
نعلم أنكم قد ترون في هذا الترشح مسؤولية وطنية ومهنية تفرضها الحاجة إلى تراكم الخبرة والحكمة والاستمرارية في تدبير أوراش التنظيم الذاتي، وهي مبررات يسوقها دائما الفاعلون التاريخيون لتفسير بقائهم في الواجهة.
لكن في المقابل، فإن استمرار نفس النخب في احتكار المشهد يولد شعورا بالرتابة والإحباط لدى الطاقات الشابة، ويجعل المؤسسات المهنية تبدو وكأنها دوائر مغلقة يصعب اختراقها، مما يضعف من منسوب الثقة في قدرتها على التغيير الفعلي والنوعي.
إن الحصيلة الحالية لواقع الصحافة، بأزماتها الهيكلية وتراجع مقروئيتها وتدني الأوضاع الاجتماعية لمنتسبيها، تدفع الجميع إلى التساؤل عن الإضافة التي يمكن أن تقدمها تجربة مكررة لم تنجح في إنتاج حلول جذرية خلال ولاياتها السابقة.
إن الانسحاب الودي وفتح المجال للنخب الشابة ليس علامة ضعف، بل هو ذروة النضج السياسي والمهني، وهو اعتراف بأن لكل مرحلة رجالها ونساءها وأدواتها.
لقد قدمتم للمهنة الكثير، وحان الوقت لتأمل هذا المسار من موقع الموجه والحكيم، وليس من موقع المنافس على الكراسي والمناصب.
إن ترك المشهد للجيل الجديد هو الخطوة الأكبر التي يمكن أن تسجل في تاريخكم، لتثبتوا أن غايتكم كانت دائما خدمة المهنة وتطويرها، وليس البقاء في مراكز القرار إلى مالا نهاية.
وتقبلوا فائق التقدير والاحترام.


