بعد أداء قوي سجلته العملات الإفريقية الرئيسية أمام الدولار الأمريكي خلال العام 2025، عادت معظم عملات القارة إلى التراجع منذ بداية عام 2026، وإن كانت الخسائر المسجلة، إلى حدود مطلع شتنبر الجاري، لا ترقى إلى مستوى الانهيار النقدي.
وبحسب معطيات شملت عينة من 13 عملة تمثل اقتصادات 26 دولة إفريقية، من بينها 14 دولة تنتمي إلى منطقة الفرنك الإفريقي، لم تتمكن سوى عملتين من تسجيل ارتفاع في قيمتهما أمام الدولار بين 31 من دجنبر عام 2025 و3 من شتنبر عام 2026.
ويكتسي الدولار أهمية خاصة بالنسبة للاقتصادات الإفريقية، باعتباره العملة الأكثر استخداما في المبادلات التجارية الدولية، والمرجع الأساسي لجزء كبير من الديون الخارجية، فضلا عن كونه العملة الرئيسية التي تقوم بها احتياطيات النقد الأجنبي وأسعار عدد من السلع الأساسية، مثل النفط والغاز والمعادن والمنتجات الفلاحية.
وتجعل هذه المكانة القارة الإفريقية شديدة التأثر بتحركات الدولار، إذ يؤدي ارتفاع قيمته إلى زيادة تكلفة خدمة الديون الخارجية المقومة بالعملة الأمريكية، كما يرفع كلفة الواردات ويغذي مخاطر التضخم المستورد.
وتختلف درجة تأثر العملات الإفريقية بالدولار من بلد إلى آخر، تبعا لعوامل عديدة، من بينها معدلات التضخم، والسياسات النقدية للبنوك المركزية، وحجم احتياطيات النقد الأجنبي، والوضع المالي للدولة، وأداء الصادرات، والاستقرار السياسي، إلى جانب طبيعة الاقتصاد ودرجة اعتماده على التجارة الخارجية.
في المقابل، تظل قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والسياسات التجارية والاقتصادية للولايات المتحدة من أبرز العوامل المؤثرة في اتجاهات العملات الإفريقية.
وكان محللون قد توقعوا خلال الفترة الماضية استمرار ضعف الدولار على المدى الطويل، في ظل توجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تعزيز تنافسية الصادرات الأمريكية عبر التأثير في قيمة العملة، غير أن التطورات الأخيرة المرتبطة بمسار السياسة النقدية الأمريكية أعادت هذه التوقعات إلى دائرة الشك.
النيرة في الصدارة
وعلى مستوى العملات التي تمكنت من تحقيق المكاسب، تظهر النيرة النيجيرية، التي ارتفعت قيمتها بنحو 8.21% أمام الدولار منذ بداية السنة.
وانتقل سعر صرف الدولار من حوالي 1445.99 نيرة في نهاية 2025 إلى نحو 1327.22 نيرة مطلع شتنبر، في أفضل أداء للعملة النيجيرية خلال عامين.
ويتوقع محللون استطلعت وكالة “بلومبرغ” الأمريكية آراءهم أن تواصل النيرة تحسنها، لتصل إلى حدود 1290 نيرة للدولار مع نهاية السنة، وهو ما قد يمنحها مكسبا يقارب 12%، في أفضل أداء لها منذ العام 2018.
ويعزى هذا التحسن، من بين عوامل أخرى، إلى إصلاح نظام الصرف الذي أطلقته السلطات النيجيرية سنة 2023، بهدف تقليص الفوارق بين أسعار الصرف الرسمية والموازية.
كما استفادت النيرة من ارتفاع عائدات النفط، وزيادة تحويلات النيجيريين المقيمين بالخارج، فضلا عن تنامي صادرات النفط بفضل مصفاة دانغوتي، التي وصلت إلى طاقتها التشغيلية الكاملة.
وساهمت هذه التطورات في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، التي ارتفعت من 45.6 مليار دولار في بداية العام إلى نحو 53.8 مليار دولار مع نهاية غشت، بزيادة تناهز 18%.
الراند يحافظ على قوته
بدوره، سجل الراند الجنوب إفريقي ارتفاعا أمام الدولار، وإن بنسبة أقل من النيرة، بلغت حوالي 3.20%.
وانتقل سعر الدولار من 16.523 راند في نهاية سنة 2025 إلى نحو 15.99 راند في بداية شتنبر الجاري.
ويستفيد الراند من مجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الذهب، والصعود القوي لأسعار البلاتين منذ بداية غشت الماضي، إلى جانب مؤشرات على تحسن الاقتصاد الجنوب إفريقي نتيجة الإصلاحات الجارية، وتحسن الوضع المالي والسيطرة على التضخم.
كما استفادت عملات دول ناميبيا وليسوتو وإسواتيني من قوة الراند الجنوب إفريقي، بحكم ارتباطها به ضمن منطقة النقد المشتركة بسعر صرف ثابت يعادل واحدا إلى واحد.
تراجع دون انهيار
وباستثناء النيرة والراند، سجلت غالبية العملات الإفريقية الرئيسية تراجعا أمام الدولار، غير أن هذه الانخفاضات بقيت، في معظم الحالات، محدودة ولم تصل إلى مستوى الانهيار.
ومن بين العملات التي حافظت على قدر كبير من الاستقرار، الكوانزا الأنغولي الذي تراجع بنحو 0.22% فقط، ليستقر الدولار عند حوالي 917.77 كوانزا، والدينار التونسي الذي انخفض بنحو 0.553% إلى حدود 2.91 دينار للدولار.
ويستفيد الكوانزا من أهمية قطاع النفط في الاقتصاد الأنغولي، في وقت تعد فيه أنغولا ثاني أكبر منتج للنفط في القارة الإفريقية.
أما الدينار التونسي، فيظل، وفق معيار سعر الصرف وحده، من أقوى العملات الإفريقية أمام الدولار، إذ يبلغ سعر الدولار حوالي 2.91 دينار، مقابل نحو 6.355 دينار للدولار بالنسبة للدينار الليبي.
الفرنك الإفريقي والدرهم
وسجل فرنك غرب ووسط إفريقيا تراجعا محدودا بلغ نحو 1.395% منذ بداية السنة.
ولا يرتبط هذا الأداء، بحسب المعطيات ذاتها، بقوة اقتصادات الدول التي تستخدم العملة، بقدر ما يعود إلى ارتباط الفرنك الإفريقي باليورو بسعر صرف ثابت، حيث يعادل اليورو الواحد 655.96 فرنكا، وبالتالي فإن تحركات العملة الإفريقية تعكس إلى حد كبير أداء اليورو أمام الدولار.
وفي المغرب، تراجع الدرهم بنسبة محدودة بلغت حوالي 2.48% أمام الدولار، ليصل سعر الدولار إلى نحو 9.345 دراهم مطلع شتنبر.
ويرتبط درهم المملكة المغربية بسلة عملات تتوزع بنسبة 60% لليورو و40% للدولار، ما يجعل حركته متأثرة جزئيا بتقلبات العملتين.
كما يستند استقرار الدرهم إلى مجموعة من العوامل، من بينها تنوع الاقتصاد المغربي، ودينامية القطاعات التصديرية، خصوصا السيارات والفوسفاط والأسمدة والصناعات الغذائية والطيران، إضافة إلى السياحة وتحويلات مغاربة العالم واحتياطيات النقد الأجنبي، فضلا عن مستويات التضخم المنضبطة.
الجنيه المصري
الى جانب الدرهم، واصل الجنيه المصري تراجعه أمام الدولار، مسجلا انخفاضا يقارب 6.54% منذ بداية السنة.
ورغم تحسن احتياطيات النقد الأجنبي، مدفوعة خصوصا بعائدات السياحة وتحويلات المصريين المقيمين بالخارج، لا يزال الجنيه يواجه ضغوطا قوية، في ظل تداعيات التوترات والحرب في منطقة الشرق الأوسط على الاقتصاد المصري.
وقد تنعكس هذه التطورات على النمو من خلال التأثير في إيرادات قناة السويس والسياحة والتحويلات وتدفقات رؤوس الأموال.
الدينار الجزائري
أما الدينار الجزائري، فسجل تراجعا بحوالي 3.036% في السوق الرسمية، ليستقر سعر الدولار عند نحو 133.183 دينارا.
غير أن السعر الرسمي لا يعكس، وفق المعطيات الواردة في التقرير، واقع سوق الصرف بشكل كامل، في ظل الفارق الكبير مع السوق الموازية، حيث يصل سعر الدولار إلى نحو 237 دينارا.
ويعكس هذا الفارق الواسع بين السعرين طبيعة نظام الصرف في الجزائر، والقيود المفروضة على سوق العملات الأجنبية.
وكان السيدي الغاني من أكثر العملات الإفريقية تراجعا أمام الدولار منذ بداية السنة، بعدما فقد نحو 7.854% من قيمته، ليصل سعر الدولار إلى حوالي 11.325 سيدي.
ويأتي هذا التراجع بعد الأداء الاستثنائي للعملة الغانية سنة 2025، عندما ارتفعت بنحو 41% أمام الدولار، مدفوعة بارتفاع أسعار الذهب، ونتائج الإصلاحات الاقتصادية، وتراجع التضخم.
ماذا ينتظر العملات الإفريقية؟
ورغم تراجع معظم العملات الإفريقية منذ بداية السنة، فإن الخسائر المسجلة ظلت محدودة نسبيا، ولم تتحول إلى أزمة نقدية شاملة أو انهيار في أسعار الصرف.
ويبقى مسار الدولار والسياسة النقدية الأمريكية من أبرز العوامل التي ستحدد اتجاه العملات الإفريقية خلال ما تبقى من سنة 2026.
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات كريستوفر والر، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بشأن الإبقاء على أسعار الفائدة خلال اجتماع شهر شتنبر، شريطة عدم ظهور مفاجآت سلبية في بيانات التضخم، اهتمام الأسواق.
وتترقب الأسواق حاليا إشارات أوضح بشأن مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية، خصوصا أن أي توجه نحو الإبقاء على معدلات الفائدة المرتفعة أو رفعها قد يعزز جاذبية الدولار أمام العملات الأخرى.
وبالنسبة للاقتصادات الإفريقية، فإن قوة الدولار تعني ارتفاع تكلفة الواردات وخدمة الديون المقومة بالعملة الأمريكية، فضلا عن زيادة مخاطر التضخم المستورد.
كما يمكن للتوترات الجيوسياسية، خصوصا في الشرق الأوسط، أن تضيف مزيدا من التقلبات إلى الأسواق العالمية، وأن تؤثر في الدولار والعملات الإفريقية، بحسب مدى استفادة العملة الأمريكية من دورها التقليدي كملاذ آمن في فترات عدم اليقين.


