بقلم: عمر لبشيريت
خلال التجمعات الانتخابية للحزبين الرئيسيين في الحكومة المغربية، بدأ المغاربة يكتشفون معلومات وأرقامًا يفترض، في دولة المؤسسات، أن تكون موضوع لجان لتقصي الحقائق، وأسئلة برلمانية، ومساءلة حكومية، وربما تحقيقات قضائية.
ويبدو أن المغاربة كانوا مخطئين حين اعتقدوا أن البرلمان هو المكان الذي تُطرح فيه الأسئلة، وأن لجان تقصي الحقائق هي التي تبحث في الاختلالات، وأن المؤسسات الرقابية هي التي تكشف أين ذهبت أموالهم.
كان عليهم، ببساطة، أن ينتظروا الحملة الانتخابية. فوق منصات التجمعات الانتخابية، بدأ كل شيء يظهر فجأة: الاعترافات بـ”الجرائم” و”التبليغ” عنها، و”فصحها”.
كان يجب، في الحقيقة، انتداب وكلاء الملك بمحاكم الاستئناف لتغطية وقائع هذه “الحملة الاعترافية”، مصحوبين بكتّاب الضبط.
هناك “فراقشية” فعلًا، كما اكتشفنا من اعتراف وزير في الحكومة. ليسوا مجرد اختراع صحافي أو كذبة معارضة. بل إنهم، بحسب الاعتراف التي قُدّم لنا، استفادوا من الدعم العمومي، ولهفوا الأموال، ووصل الأمر إلى وصفهم بـ”الإرهابيين” من طرف السيد لقجع!
نعم، كانت حكومة السيد أخنوش تدعم إرهابيين بملايير الدراهم.
جميل، وخطير في الوقت نفسه.
لكن يبقى سؤال صغير، وربما ساذج: كيف ظل هؤلاء الفراقشية مختبئين طوال هذه المدة؟ من تستر عليهم؟ من أخفاهم؟ من تواطأ وكذب حين كان الموضوع يُطرح بالبرلمان؟ من أخفى هذه المعلومات، رغم أن الدولة تملك كل هذه الأجهزة والمؤسسات والوزارات والمفتشيات وأجهزة الرقابة؟
يبدو أنهم كانوا ينتظرون الانتخابات حتى يخرجوا من مخابئهم. لهذا، كان علينا، عوض المطالبة بتشكيل لجان تقصي الحقائق، أن نطالب بإجراء الانتخابات.
ثم جاءنا وزير آخر بخبر لا يقل إثارة: برلماني من حزب حليف يتاجر في الجبن الفاسد.
الجبن هذه المرة فاسد، أما القصة السياسية فـ”مهبولة” جدًا، لأنها ظهرت في موسم الانتخابات.
ولا نعرف، بصراحة، أيهما أكثر إثارة للقلق: أن يكون هناك برلماني يتاجر في مواد فاسدة، أم أن هذه المعلومة كانت معروفة، أو قابلة للمعرفة، ثم لم تجد طريقها إلى المؤسسات المعنية إلا عندما احتاجها صاحبها في معركة انتخابية.
المغاربة أكلوا الجبن الفاسد، وصاحبنا ظل يكتم شهادته حتى موعد الانتخابات. ومع ذلك، امتلك الشجاعة لكي يدعو المغاربة إلى التصويت عليه، وهو الذي كان يعرف أن الناخبين يأكلون “الفرماج” فاسدًا. مهبولون نحن، فعلًا.
ثم جاءت القنبلة الأكبر.
280 مليار درهم كانت مخصصة للدعم الاجتماعي، ثم “ذهبت هباءً منثورًا”، أو تبخرت، بحسب التعبير الذي وصل إلى آذان المغاربة.
280 مليار درهم! هكذا، بكل بساطة. نطق بها السيد لقجع وكأنه يطلق دخيرة انتخابية. احتفظ الرجل بهذه الجريمة طيلة سنوات ليطلقها علينا وكأنه حقق إنجازا ضد حلفائه/خصومه في الحكومة.
أن تعترف بجريمة تبديد وهدر 280 مليار درهم، وتطلقها على المغاربة بكل هذه البساطة والسهولة، دون أن تخشى أدنى تبعات أو عواقب، فإن الأمر يثير الشكوك والقلق…
في دولة تحترم القانون، مثل هذا الاعتراف، كان سينهي الحكومة والحزب ويقلب توجهات صناديق الاقتراع رأسا على عقب.
رقم كان يمكن، أن يجعل البرلمان يقف على رجليه، وأن يفتح نقاشًا وطنيًا، وأن تُشكّل من أجله لجنة تقصي حقائق، وأن تُطلب بشأنه كل الوثائق والمعطيات والتفاصيل.
رقم كان يمكن أن يجعل محاكم المملكة تفتح ليلًا ونهارًا.
لكن لا. الرقم ظهر فوق منصة انتخابية، وسط الميكروفونات، والشعارات، والهتافات، والمرشحين، والوعود الانتخابية.
بدا الأمر وكأننا لسنا في تجمع انتخابي، وإنما في غرفة اعترافات جماعية. كان ينقصها، فقط، محضر وضباط الشرطة القضائية.
والأجمل في الحكاية أن الذين يقدمون لنا هذه الاكتشافات اليوم ليسوا غرباء عن الحكومة. إنهم، في جزء كبير منهم، وزراء ومسؤولون ينتمون إلى أحزاب كانت إلى الأمس القريب شريكة في تدبير الحكومة، وجالسة إلى جانب بعضها البعض حول طاولة واحدة.
أي أن الحكومة، على ما يبدو، كانت تعيش طوال السنوات الماضية في وضعية غريبة جدًا:
كل شيء كان معروفًا… لكنه لم يكن معروفًا.
الفراقشية موجودون، لكن لم نكن نعرف أنهم موجودون.
“الفرماج” الفاسد كان يباع ويُستهلك من طرف المغاربة، لكن الحكومة لا تأكله.
الأموال صُرفت، لكننا لا نعرف كيف صُرفت.
الاختلالات كانت هناك، لكن لا أحد تحدث عنها.
280 مليار اختفت، لكن لم يرها أحد.
والآن، وقد اقترب موعد الانتخابات، بدأت الذاكرة الحكومية تستعيد عافيتها، وبدأت الملفات تخرج من الأدراج، والأرقام تهبط من السماء، والاتهامات تتطاير فوق المنصات.
يا لها من مصادفة انتخابية جميلة!
المشكلة ليست فقط في ما يُقال. المشكلة في توقيت القول. فإذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فلماذا لم تُعرض على البرلمان؟ ولماذا لم تُفتح بشأنها تحقيقات؟ ولماذا لم تُحاسب الجهات المسؤولة؟
وإذا كانت غير صحيحة، فلماذا تُلقى اتهامات بهذه الخطورة أمام المواطنين، وكأننا في مهرجان فكاهي لا في دولة مؤسسات؟
في الحالتين، نحن أمام مشكلة.
لأن الانتخابات ليست محكمة، والمنصة الانتخابية ليست مكتب وكيل الملك، والميكروفون ليس محضر استماع.
والمغاربة لا يحتاجون إلى مسؤولين يتحولون، كلما اقتربت الانتخابات، إلى شهود على أنفسهم، وعلى زملائهم في البرلمان والحكومة.
نحن نحتاج إلى شيء أبسط بكثير: أن يعرف المواطن ماذا حدث، ومن المسؤول، وأين ذهبت الأموال، ومن استفاد، ومن قصّر، ومن كان يعلم، وماذا فعل.
أما أن ينتظر المسؤول إلى أن تبدأ الحملة الانتخابية، ثم يفتح خزائن الأسرار الحكومية أمام الجمهور، فهذه ليست شفافية. نحن أمام النفاق في أبهى حلة، وأمام التستر على جرائم.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: من يكذب ومن يقول الحقيقة؟
السؤال الأخطر هو:
كم من “فراقشي” و”جبن فاسد” و”مليارات متبخرة” ما زالت تنتظر دورها فوق منصة انتخابية؟
لأننا، والحالة هذه، قد نحتاج قبل يوم الاقتراع إلى شيء آخر غير صناديق التصويت.
قد نحتاج إلى لجنة تقصي حقائق في كل تجمع انتخابي.
قد نحتاج إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.
وفي الأخير، قد نحتاج إلى عدم التصويت، أصلًا، على كل هؤلاء.








