بقلم: ثريا لحرش
تحتل الانتخابات البرلمانية مكانةً محوريةً في الحياة السياسية لكل الديمقراطيات، إذ تُجسّد اللحظةَ التي يُفوّض فيها المواطن جزءاً من سيادته لمن يختاره ممثلاً له في فضاء التشريع والمساءلة. وهي بهذا المعنى ليست مجرد إجراء انتخابي، بل هي تجديد دوري للعقد بين المواطنين ومن يمثلونهم.
وعلى امتداد المسار الإصلاحي الذي عرفه المغرب، جاء دستور 2011 تتويجاً لمشاورات وطنية واسعة فاقت 150 تنظيماً حزبياً ونقابياً ومدنياً، وأُقرّ باستفتاء شعبي. وقد استجاب هذا الدستور لمطلب المنهجية الديمقراطية في تشكيل الحكومة، إذ نصّ الفصل 47 صراحةً على أن: «يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها». وقد شكّل هذا المقتضى الدستوري منعطفاً بالغ الأهمية، لكونه ربط تشكيل السلطة التنفيذية بإرادة الناخبين ربطاً واضحاً وصريحاً.
بيد أن الانتخابات لا تختزل في قوانين وأنظمة، بل هي في جوهرها علاقة حيّة بين المواطن والأحزاب والمرشحين، ولحظة تتجلى فيها السيادة الشعبية في أبهى صورها حين يقرر المواطن لمن يمنح صوته وثقته.
ومن هذا المنظور، لا يمكن متابعة المشهد الانتخابي المقبل دون التوقف عند ما رافق انطلاقته من ظواهر لافتة. فقد اتسمت بداية الحملة بخمول واضح وعزوف ملحوظ عن الانخراط الشعبي. ثم ما لبث الوضع أن انقلب فجأةً؛ إذ طفت على السطح اتهامات بسرقة المرشحين والمرشحات، وتسرّبت تسجيلات صوتية، واشتعلت حرب التصريحات، وتوالت الانتقادات والاتهامات المتبادلة بين الأحزاب.
وبعد سجال وخصام حول استمالة المرشحين والمرشحات، دخلنا فترة سياسية حول الزيادة في الحد الأدنى للأجور (SMIG): من يريد رفعه إلى 5000 درهم إذا حصل على الأغلبية، ومن يتحدى ويعلن زيادة الحد الأدنى للأجور حتى غداً، ومن سيعمم الدعم الاجتماعي، ومن سيعمم المساعدة على الفقراء، ومن سيجلب البحر إلى فاس ومراكش وورزازات…
هذه هي المزايدة في التجمعات.
قد يعكس هذا محدودية تجربة بعض الأطراف في السياسة وفي الحملات الانتخابية.
وهناك من اقتبس أساليب الحملات الانتخابية الأمريكية، فجمعت حملته بين الحركة الدائمة والحضور الإعلامي المكثف والتجمعات الصاخبة والجماهير الحاشدة.
فالسياسة، في معناها الدستوري، هي ممارسة للسلطة داخل المؤسسات، وفق قواعد الدستور والقانون، وفي إطار توزيع الاختصاصات بين البرلمان والحكومة وباقي المؤسسات.
أما في معناها الإبستمولوجي، فالسياسة هي معرفة بالواقع وتحليل للمعطيات، وفهم للإمكانات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وتحويل هذه المعرفة إلى اختيارات وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم.
لذلك، فإن الوعود الانتخابية لا يمكن أن تكون مجرد شعارات تُرفع في التجمعات. فالحديث عن رفع الحد الأدنى للأجور أو تعميم الدعم الاجتماعي، مثلاً، يقتضي معرفة الكلفة ومصادر التمويل والإطار القانوني والجهة التي تملك صلاحية اتخاذ القرار وتنفيذه.
السياسة، في نظر السياسيين، مسؤولية، وليست إطلاق الكلام على عواهنه.
افتتحت الأحزاب المكوّنة للحكومة حملتها بالاعتراف بسوء تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية مع إلقاء اللوم على بعضهم البعض.
أما اليسار، فقد دخل معركته الانتخابية في أجواء فاترة، عاجزاً حتى الساعة عن استعادة الحضور والثقل اللذين طالما شكّلا رأسماله الحقيقي داخل المجتمع.
وأما حزب التجمع الوطني للأحرار، فيبدو أنه يعيش حالة من الارتباك. وهو حزب اعتمد تاريخياً على الأطر والكفاءات التي تُحسن قراءة اتجاهات الرأي العام. غير أن صعوبة الأوضاع وارتفاع كلفة المعيشة جعلا فئات من المواطنين تُعرب عن غضب عميق، بل وتُقسم على مقاطعة صناديق اقتراعه.
وأما حزب الاستقلال، فرغم عراقته وعمق تجذّره في المشهد السياسي المغربي، فإنه لم يُفلح بعد في استرداد مكانته التاريخية بوصفه حزب المؤسس سيدي علال الفاسي.
وأما حزب العدالة والتنمية، فمهما حاول بعضهم تجاوز مرحلة قيادته للحكومة، فإن النقاش حول حصيلتها لا يزال حاضراً بقوة في الوجدان الجمعي، ولا سيما ما يتصل بملف التقاعد وإلغاء صندوق المقاصة والقرارات التي مسّت القدرة الشرائية للمواطنين. ومما يزيد الأمر تعقيداً أن السيد عبد الإله بنكيران يحرص بنفسه على إبقاء تلك المرحلة حيّةً في الذاكرة السياسية.
وتذكّرت بهذه المناسبة المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، وكيف كانت الجماهير تملأ الملاعب لحضور تجمعاته، وكيف كانت الشبيبة الاتحادية تغصّ بها الفضاءات العامة في تلك الحقبة. والفارق الجوهري أن التكنولوجيا لم تكن قد غزت الحياة العامة لتوثّق كل شيء كما يجري اليوم.
وخلاصة ما رصده المراقبون والمحللون في الجلسات والكتابات خلال انطلاق الحملة الانتخابية، أن هذه الانتخابات كانت تُوصف بأنها «باردة».
ومن هنا يطرح نفسه السؤال الجوهري: من سيُقدّم الحساب للشعب المغربي؟ هل هي الأغلبية الحكومية المكوّنة من ثلاثة أحزاب — التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة — بوصفها كتلة متضامنة تتحمل مسؤولية مشتركة؟ أم أن كل حزب سيواجه مساءلة مستقلة عن حصيلته؟ أم أن المحاسبة ستنصبّ على الأشخاص والمرشحين بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية؟
وما يُعزز المسؤولية الجماعية لهذه الأغلبية أن حكومتها عرضت برنامجها المشترك على البرلمان وفق ما ينص عليه الفصل 88 من الدستور، فنالت ثقة 213 صوتاً من أصل 395، في مقابل معارضة 64 صوتاً وامتناع عضو واحد عن التصويت. وبذلك فإن المساءلة الشعبية في هذه الانتخابات لا تنصبّ على أحزاب منفردة، بل على برنامج حكومي مشترك تعاقدت عليه أمام ممثلي الأمة.
فالأحزاب تتسابق على الأغلبية تحقيقاً لرئاسة الحكومة، وهو ما يمنح الحزب المتصدر نفوذاً واسعاً في مفاوضات تقاسم الحقائب الوزارية. بيد أن المفارقة المُثيرة تكمن في أن هذه المفاوضات تنطلق قبل يوم الاقتراع، بل قبل صدور أي نتيجة وقبل أن تُفصح الصناديق عن مكنوناتها. وحين يصرّح القادة السياسيون باطمئنان: «الحمد لله، نحن نتفاوض حول الحقائب الوزارية»، يستحضر المرء قولة المرحوم الأستاذ نبيل لحلو الشهيرة: «مليون على ربي». ونحن اليوم أمام صيغة معدّلة منها: «حقيبة وزارية على ربي».
وفي سياق نظام الاقتراع باللائحة الذي يُركّز المنافسة حول رأس اللائحة، باتت الأحزاب تبحث بالدرجة الأولى عن المرشح الأوفر حظاً، أي من تتوافر لديه الإمكانيات المادية اللازمة لخوض حملة انتخابية واسعة تستلزم موارد بشرية ولوجستية ضخمة. وهذا التوجه يُبقي السؤال مطروحاً: أين البرامج وأين مقارنتها؟
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يبقى السؤال الجوهري معلّقاً: هل ستُفلح الحملات الانتخابية على شكلها الراهن في تحفيز المواطنين على التوجه إلى صناديق الاقتراع يوم الثالث والعشرين من شتنبر 2026، ورفع نسبة المشاركة إلى مستوى يمنح الشرعية الكاملة للمؤسسة التشريعية المنتخبة؟ أم أن الحماس الانتخابي سيظل رهيناً ببريق التجمعات الصاخبة دون أن يتحول إلى فعل ديمقراطي حقيقي يوم الاقتراع؟
وعلى الأحزاب المتنافسة، بعيداً عن ضجيج الحملات وبريق التجمعات، أن تُعيد النظر بجدية في مقارباتها لاستعادة ثقة المواطن المفقودة، وأن تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار حزبي أو فئوي.


