أثارت الأرقام التي تضمنتها برامج عدد من الأحزاب السياسية، والمرتبطة في معظمها بحجم الإعفاءات الضريبية ورفع الأجور، سؤالا حول مدى واقعيتها وملاءمتها للتوازنات الاقتصادية. خاصة أن بعض هذه الأرقام تطرحها اليوم أحزاب كانت إلى وقت قريب ضمن الأغلبية الحكومية. وكانت تبرر صعوبة تنزيل إجراءات مماثلة باعتبارات وإكراهات اقتصادية ومالية، تجعل تطبيقها أقل سهولة مما توحي به الوعود الانتخابية.
الخبير الاقتصادي، علي غنبوري، دعا إلى التعامل مع بعض الأرقام المطروحة في النقاش الانتخابي، من قبيل رفع الحد الأدنى للأجور ل5000 درهم، أو رفع قيمة الدعم الاجتماعي، أو جعل معاش المتقاعد في مستوى الحد الأدنى للأجور، بشيء من الواقعية والمسؤولية. منبها إلى أن الحديث ليس فقط عن أرقام جميلة على الورق، وإنما عن التزامات لها كلفة مالية واقتصادية واجتماعية حقيقية.
وتابع غنبوري، في تصريحه لـ”سفيركم” أن المشكلة اليوم هي أن جزءا من الخطاب الانتخابي بدأ يتحول الى ما يمكن تسميته بـ”الفنتازيا الانتخابية للارقام”، أي طرح أرقام كبيرة وجذابة لاستمالة المواطنين، وفق غنبوري، دون تقديم الكلفة الاجمالية لهذه الالتزامات، ومصادر تمويلها، وآثارها على المالية العمومية، وعلى المقاولات، وعلى التضخم، وعلى التوازنات الاقتصادية.
ونبه في هذا السياق إلى أن رفع الأجور أو المعاشات بشكل كبير ليس مجرد قرار إداري يمكن للحكومة أن تتخذه بمرسوم. بل هو قرار له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الوطني. وعلى تنافسية المقاولة، وعلى قدرة الدولة على تمويل سياساتها العمومية.
كما ذكّر بأن المسألة في جوهرها لا ينبغي أن تختزل في إرادة حكومية منفردة. فالأجور، والحد الأدنى للأجر، والحماية الاجتماعية، والمعاشات، بحسب تصريح الخبير الاقتصادي، كلها قضايا ترتبط بالحوار الاجتماعي وبالتفاوض بين مختلف الفرقاء، الحكومة، والنقابات، والباطرونا، وبالقدرة الفعلية للاقتصاد الوطني على تحمل هذه الزيادات.
وأفاد غنبوري، أن هذا ما أكدته التجربة المغربية نفسها. مشيرا إلى أن الزيادات الأخيرة في الأجور والحد الأدنى للأجر تم في إطار اتفاقات الحوار الاجتماعي. وليس باعتبارها قرارات حكومية منفصلة عن باقي الفاعلين.
وفي تتمة تصريحه، شدد المتحدث على أنه مع تحسين القدرة الشرائية. ومع الرفع التدريجي للأجور والمعاشات. ومع توسيع الدعم والحماية الاجتماعية. لكن شريطة أن يكون ذلك ضمن رؤية اقتصادية متكاملة. تربط الزيادة في الدخل بالنمو، والإنتاجية، وإعادة توزيع الثروة، والعدالة الجبائية، ومحاربة الريع والاقتصاد غير المهيكل.
وأكد على أن المطلوب ليس الدخول في مزاد انتخابي للأرقام، وإنما تقديم وعود قابلة للإنجاز، ممولة، ومبرمجة زمنيا. ويتم الاتفاق حولها من خلال حوار اجتماعي حقيقي ومسؤول بين جميع الفرقاء.








