مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بالمغرب المقررة في 23 من شتنبر 2026 ، دخلت الأرقام بشكل أكبر إلى البرامج الانتخابية للأحزاب، التي قدمت وعودا في مجالات الأجور والقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والاستثمار والحماية الاجتماعية، فيما أعلنت بعض التنظيمات عن كلفة إجمالية لبرامجها.
غير أن الإعلان عن حجم الالتزامات المالية يفتح سؤالا أساسيا حول مصادر تمويل هذه الوعود ومدى قدرة المالية العمومية على تحملها.
في السياق ذاته، قال حميد النهري، رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية في تصريح لمنبر سفيركم، “إن دخول الأرقام بقوة إلى الخطاب الانتخابي يمثل تطورا إيجابيا، موضحا أن بعض الأحزاب لم تعد تكتفي بوعود عامة مثال خلق فرص الشغل ورفع القدرة الشرائية ودعم الاستثمار، وإنما أصبحت تقدم أهدافا مرقمة، بل إن بعضها أعلن الكلفة الإجمالية لبرنامجه”.
واعتبر النهري أن هذا التطور يسمح على الأقل، بفتح نقاش أكثر عقلانية حول قابلية الوعود للتمويل، لكنه شدد في المقابل على أن “هناك فرقا جوهريا بين ترقيم الوعد، وتحديد كلفته، وتحديد مصدر تمويله”.
وأوضح المتحدث أن إعلان حزب عن برنامج تبلغ كلفته 300 أو 350 أو 500 مليار درهم خلال خمس سنوات يجيب عن سؤال “بكم؟”، لكنه لا يجيب بالضرورة عن السؤال المالي الأهم وهو “من أين؟”.
الوعد لا ينفصل عن كلفته ومصدر تمويله
ويرى رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية أن البرنامج الاقتصادي لا ينبغي أن يقاس بعدد الأرقام التي يتضمنها، وإنما بقدرته على إقامة علاقة واضحة بين الوعد وكلفته ومصدر تمويله.
وأوضح أن تحسين المدرسة والمستشفى، ورفع الأجور، ودعم القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، وتنمية العالم القروي، وتوسيع الحماية الاجتماعية، كلها أولويات يمكن أن تحظى بالتوافق، لكن الخلاف الحقيقي يبدأ عند طرح سؤال أهم وهو من سيمول كل ذلك؟
وفي نفس المنوال، أشار النهري إلى أن بعض الأحزاب تحدثت بالفعل عن مصادر لتمويل برامجها، من بينها النمو الاقتصادي، ومحاربة التهرب الضريبي، وترشيد النفقات وتحسين التحصيل، مؤكدا أن هذه المصادر ينبغي ألا تبقى مجرد عناوين عامة.
وقال “إن الحديث عن تمويل البرنامج من النمو يطرح أسئلة حول معدل النمو الذي بنيت عليه الحسابات، وحجم الموارد الإضافية التي يمكن أن يوفرها، وفي أي سنة ستتحقق هذه الموارد”.
والأمر نفسه ينطبق بحسب تعبيره على محاربة التهرب الضريبي، إذ ينبغي تحديد حجم الموارد المتوقع استرجاعها، والإجراءات التي ستسمح بذلك، والآجال اللازمة لتحقيق النتائج.
أما ترشيد النفقات يقول النهري ، فيتطلب تحديد النفقات المعنية وحجم الوفورات التي يمكن تحقيقها، لأن التمويل “ليس كلمة نضعها أمام الوعد حتى تتوازن الصفحة”، وإنما هو أرقام ومصادر وآجال وفرضيات.
محاربة التهرب الضريبي ليست “شيكا على بياض”
وتوقف النهري بشكل خاص عند تكرار محاربة التهرب الضريبي كمصدر محتمل لتمويل الوعود الانتخابية، معتبرا أن هذه المسألة أصبحت أشبه “بالمورد السحري” الذي يتم استدعاؤه كلما ظهرت حاجة إلى تمويل وعد جديد.
وأوضح أن محاربة التهرب الضريبي ليست حسابا بنكيا مفتوحا يمكن سحب المبالغ منه حسب الحاجة، وإنما هي سياسة عمومية تحتاج إلى إدارة ومراقبة ومعلومات وتشريع ووقت حتى تحقق نتائجها.
وبالتالي، يرى أن الاعتماد عليها كمصدر لتمويل الوعود يجب أن يكون مبنيا على تقديرات وإجراءات وآجال واضحة، لا على افتراض توفر موارد يمكن تعبئتها فورا.
الحكومة المقبلة لن تبدأ من ميزانية فارغة
وبخصوص إمكانية تمويل البرامج من الموارد الحالية للدولة، أكد النهري أنه “لا توجد ميزانية بلا حدود”، مشيرا إلى أن المغرب يتوفر على موارد جبائية وغير جبائية، كما يملك قدرة على الاستثمار والاقتراض، لكنه يواجه في المقابل التزامات قائمة وثقيلة.
وتشمل هذه الالتزامات،وفق المتحدث، الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والماء والاستثمار العمومي والتنمية المجالية والتقاعد والبنيات التحتية، وغيرها من البرامج والاستحقاقات.
وشدد على أن الحكومة المقبلة لن تبدأ من ميزانية فارغة، بل سترث التزامات ونفقات ودينا وبرامج متعددة السنوات وعقودا واستثمارات بدأت قبلها.
وقال في هذا الصدد “إن البرنامج الانتخابي الجديد يدخل بالتالي داخل ميزانية “مثقلة أصلا باختيارات والتزامات سابقة”، ما يجعل من الضروري، قبل الحديث عما ستضيفه الحكومة المقبلة، تحديد الهامش المالي الذي تملكه للإضافة.
ويتقاطع هذا الطرح مع توجه الدولة نحو تعزيز استدامة وشفافية تدبير المالية العمومية، إذ اعتمدت وزارة الاقتصاد والمالية في أبريل من العام 2026 إطارا استراتيجيا لإصلاح تدبير المالية العمومية للفترة الممتدة بين أعوام 2026 و 2032، يتضمن محاور مرتبطة بالأداء والاستدامة والشفافية وتتبع النتائج.
زيادة الإنفاق أو رفع الضرائب.. كيف تغلق المعادلة؟
وفي ما يتعلق باحتمال اللجوء إلى رفع الضرائب لتمويل البرامج، أكد النهري أن ذلك ليس نتيجة حتمية بالنسبة إلى جميع البرامج، لكنه شدد على أن الحسابات المالية تفرض خيارات محددة عندما تتجاوز النفقات الموارد المتاحة.
وأوضح أن تمويل الفارق يمكن أن يتم عبر تعبئة موارد جبائية أو غير جبائية إضافية، أو إعادة ترتيب النفقات، أو الاقتراض، أو الجمع بين هذه الخيارات.
وأضاف أن الجمع بين وعود بزيادة الإنفاق ووعود أخرى بتخفيض الضرائب لا يعني بالضرورة استحالة التنفيذ، لكنه يستدعي الإجابة عن سؤال أساسي مفاده: كيف ستغلق المعادلة؟وهل سيتم التعويل على نمو اقتصادي أعلى؟ أم توسيع الوعاء الضريبي؟ أم مراجعة بعض الامتيازات؟ أم سيتم خفض نفقات أخرى؟ أم قبول عجز ومديونية أكبر؟
ويرى النهري أن هذه ليست أسئلة تقنية موجهة فقط إلى الخبراء، وإنما معلومات من حق الناخب معرفتها قبل الإدلاء بصوته.
أما بخصوص فيما يتعلق بموضوع الاقتراض، فيعتبره النهري أداة عادية من أدوات تمويل الدولة، مؤكدا أن السؤال الاقتصادي الحقيقي لا يتعلق فقط بقرار الاقتراض، وإنما لماذا يتم الاقتراض، وبأي كلفة، وما إذا كان الإنفاق الممول بالدين سيخلق مستقبلا من القيمة ما يبرر كلفته.
وقال إن الدين “ليس مالا مجانيا”، لأن الاقتراض يتحول لاحقا إلى أصل دين وفوائد يتعين أداؤها، وهو ما يجعل أثر القرارات المالية الحالية ممتدا إلى السنوات المقبلة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن النقاش الانتخابي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنفاق الذي تقترحه الأحزاب، وإنما يجب أن يتناول أيضا أثر هذه الاختيارات على المالية العمومية بعد خمس أو عشر سنوات.
النفقات الجبائية.. موارد تتخلى عنها الدولة
ومن بين الملفات التي يرى رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية أنها لا تحظى بالقدر نفسه من النقاش، النفقات الجبائية، التي تشمل الإعفاءات والتخفيضات والاستثناءات والامتيازات التي تتخلى الدولة بموجبها عن جزء من مواردها.
ولا يدعو النهري إلى إلغاء جميع هذه الإعفاءات، وإنما إلى تقييمها، من خلال طرح أسئلة حول مدى استمرار كل إعفاء في تحقيق الهدف الاقتصادي أو الاجتماعي الذي أحدث من أجله، ومن يستفيد منه، وما كلفته، وما أثره.
ويرى أن البحث عن موارد جديدة لا ينبغي أن يبدأ دائما من جيب المكلف بالضريبة، بل يمكن أن ينطلق أيضا من تقييم ما تتخلى عنه الدولة من موارد قائمة.
ماذا لو لم تتحقق فرضيات البرامج؟
ولا تتوقف إشكالية تمويل البرامج، بحسب النهري، عند الموارد المتاحة حاليا، إذ ينبغي أيضا أخذ السياق الاقتصادي الدولي بعين الاعتبار.
وأشار إلى أن الحكومة المقبلة ستعمل في ظل توترات جيوسياسية، وتقلبات في أسعار الطاقة والمواد الأولية، وتحولات تجارية، ومخاطر مناخية ومائية، وصدمات خارجية يصعب التنبؤ بها.
ولهذا، لا ينبغي أن يكتفي البرنامج الاقتصادي بتحديد ما سيفعله في حال تحقق جميع فرضياته، بل يجب أن يجيب أيضا عن سؤال ماذا سيفعل إذا لم تتحقق؟ فإذا كان البرنامج مبنيا على معدل نمو معين ولم يتحقق، فما الذي سيتم تأجيله؟
وإذا ارتفعت كلفة الطاقة، فما الأولوية التي ستتم إعادة ترتيبها؟ وإذا تراجعت الموارد، فهل سيتم اللجوء إلى الاقتراض أم خفض الإنفاق أم مراجعة بعض الوعود؟
ويختصر النهري هذه الفكرة بالقول “إن البرنامج الجيد ليس فقط برنامج الطقس الجميل، بل يجب أن يتضمن أيضا ما سيتم فعله عندما تأتي العاصفة.
من كلفة الوعد إلى آليات المحاسبة
ويرفض النهري وضع جميع البرامج الانتخابية في سلة واحدة، لكنه يقترح إخضاعها لاختبار موحد يقوم على خمسة أسئلة رئيسية: ما الهدف؟ ما كلفته؟ ما مصدر تمويله؟ ما الجدولة الزمنية لتنفيذه؟ وماذا سيحدث إذا لم تتحقق الفرضيات التي بني عليها؟
وحذر من أن تتحول الانتخابات إلى “مزاد في الأرقام”، بحيث يتنافس الفاعلون السياسيون في حجم الوعود والأهداف، بينما يضيع السؤال الأساسي المتعلق بكيفية تنفيذها.
ويرى أن تطوير ثقافة البرامج ينبغي أن يوازيه تطوير ثقافة الحصيلة والمحاسبة، من خلال طرح أسئلة من قبيل، ماذا وعدتم؟ ماذا أنجزتم؟ وبأي كلفة؟
“جدول تمويل” لكل برنامج
ولتطوير النقاش حول البرامج الانتخابية، يقترح رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية إرفاق كل برنامج بجدول واضح لتمويل الالتزامات الكبرى، يتضمن أربعة عناصر أساسية هي،الكلفة، ومصدر التمويل، والأجل، ومؤشر قياس النتيجة.
وأوضح أنه إذا أعلن حزب عن إنفاق 50 مليار درهم، فعليه أن يوضح مصدر هذه الموارد، وإذا تعهد بخلق 200 ألف منصب شغل، فينبغي تحديد كيفية قياس تحقق هذا الهدف بعد خمس سنوات.وبحسب النهري، فإن هذا المنهج من شأنه أن يحول البرنامج الانتخابي من وثيقة هدفها الإقناع إلى وثيقة للمحاسبة.
وتأتي هذه الدعوة في وقت باتت فيه بعض البرامج الانتخابية تتضمن بالفعل تقديرات مالية محددة، فقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة كلفة إجمالية قدرها 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، فيما قدر تحالف اليسار غلاف تمويل برنامجه بـ 500 مليار درهم، بينما قدم حزب التقدم والاشتراكية تقديرا للنفقات والموارد الإضافية التي يرى أنها ضرورية لتنفيذ برنامجه.
وفي خلاصة تصوره، يعتبر النهري أن دخول الأرقام إلى البرامج الانتخابية يمثل تطورا إيجابيا، لكن الرقم وحده لا يكفي لقياس جدية أي وعد.
وبالتالي، فإن اختبار الوعود الانتخابية لا يتعلق فقط بما تقترحه الأحزاب من أهداف والتزامات، وإنما بقدرتها على ربط هذه الوعود بكلفتها ومصادر تمويلها وآجال تنفيذها، وبالخيارات التي ستعتمدها إذا لم تتحقق الفرضيات الاقتصادية التي قامت عليها برامجها.
خديجة اسويس


