أكد وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل لم يغيّر موقف الرباط من القضية الفلسطينية، مجددا تمسك المملكة بحل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة.
وفي حوار مع إذاعتي “RFI” و”فرانس24″، شدد بوريطة على أن المواقف المغربية من القضية الفلسطينية “معروفة”، وأن العلاقات مع إسرائيل “لن تغير بأي شكل” موقف المملكة من هذا الملف.
وبالتوازي مع ذلك، رسم الوزير المغربي ملامح مقاربة الرباط في تدبير علاقتها بالجزائر، مؤكدا أن المغرب ليس في مسار تصعيد، وأنه لا يرهن مستقبله بالتوتر القائم، مقابل التشبث بما وصفه بضرورة التركيز على ما يجمع البلدين.
أما في ملف الصحراء، فجدد بوريطة التأكيد على أن المغرب يتمسك بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساس الحل الذي تدافع عنه الرباط داخل المسار الأممي.
وفي قراءة لهذه المواقف، يرى خبير العلاقات الدولية، شادي البَرَّاق عبد السلام، أن “السياسة الخارجية المغربية تقوم على مقاربة تجمع بين وضوح المواقف والحذر في تدبير الأزمات، مع إعطاء الأولوية للمصالح الاستراتيجية للمملكة”.
وقال البَرَّاق، في تصريح لجريدة “سفيركم”، تعليقا على تصريحات وزير الخاريجة ناصر بوريطة، إن “السياسة الخارجية للمملكة المغربية” تتحرك وفق “عقيدة دبلوماسية استباقية ومستقلة”، تقوم على “ثنائية الوضوح الصارم والمسؤولية السيادية”.
وأضاف في الخبير في تدبير المخاطر وتحليل الصراعات أن حوار بوريطة يعكس “تحولا مفصليا في إدارة العلاقات الدولية للمملكة”، موضحا أن المغرب لم يعد يكتفي بـ”دبلوماسية إدارة الأزمات أو ردود الفعل”، وإنما يتجه إلى “فرض دينامية المبادرة وصناعة الأمر الواقع المستند إلى الشرعية التاريخية والقانونية”.
الجزائر.. اليد الممدودة مقابل تجنب التصعيد
في ما يتعلق بالعلاقة مع الجزائر، قال بوريطة إن المغرب لا يتجه نحو التصعيد، مشيرا إلى أن الرباط لا تريد الدخول في مواجهة عسكرية مع جارتها الشرقية، مؤكدا أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن المغرب يفضل التركيز على ما يوحد البلدين بدل ما يفرقهما.
وفي الوقت نفسه، انتقد الوزير المغربي ما وصفه بـ”الإفراط” في المواقف الجزائرية، معتبرا أن كثرة المواقف الأحادية يمكن أن تؤدي إلى فقدان تأثيرها.
ويرى شادي البَرَّاق عبد السلام أن هذه المقاربة تجمع بين الانفتاح على إمكانية تجاوز الخلافات وبين حماية المصالح المغربية.
ويقول إن المغرب يُظهر في تدبير علاقته بالجزائر “نضجا سياسيا رفيعا”، يقوم على ثلاثة أبعاد تتمثل في “الإرث المشترك للشعوب والواقعية السياسية الحذرة وحق الردع السيادي المباشر”.
وبحسب المتحدث ذاته، فإن سياسة “اليد الممدودة” التي يؤكد عليها المغرب لا ينبغي قراءتها باعتبارها تعبيرا عن ضعف أو مناورة تكتيكية، وإنما باعتبارها “التزاما استراتيجيا” مرتبطا بالكلفة الاقتصادية والأمنية لاستمرار الجمود المغاربي.
في المقابل، شدد البَرَّاق على أن الانفتاح على الحوار لا يعني التخلي عن المصالح العليا للمملكة، معتبرا أن الرباط تعتمد في الوقت نفسه على ما وصفه بـ”نظام ردع حازم”.
وتنسجم هذه القراءة مع ما جاء على لسان بوريطة، الذي أكد أن المغرب “ليس في مسار تصعيد”، وأنه لا يريد “رهن المستقبل” بالخلافات القائمة مع الجزائر.
الصحراء.. الحكم الذاتي في صلب الموقف المغربي
في ملف الصحراء، أكد بوريطة أن المغرب “موجود في أراضيه”، وأنه يعتبر وجوده هناك في إطار “الدفاع المشروع عن النفس”، مع التشديد على أن الرباط لم تسع إلى المواجهة وأنها تتمسك بالحل في إطار الأمم المتحدة.
واعتبر بوريطة أن ما وصفه بـ”التصعيد الجزائري” في ملف الصحراء يؤكد، من وجهة نظر الرباط، أن الجزائر طرف أساسي في القضية.
ووضع شادي البَرَّاق عبد السلام هذا الملف في قلب المقاربة المغربية للعلاقات الدولية، معتبرا أن “ملف الوحدة الترابية” أصبح محددا أساسيا في تقييم المغرب لتحالفاته وشراكاته الدولية.
ووصف البَرَّراق تدبير ملف الصحراء بأنه “درس متقدم في الجيوسياسية التطبيقية”، مشيرا إلى أن الدبلوماسية المغربية انتقلت من التركيز على إدارة النزاع إلى السعي نحو “الترسيخ النهائي والمستدام للحل ميدانيا”.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية أن مبادرة الحكم الذاتي تقدمها الرباط باعتبارها “إطارا سياسيا وقانونيا وحيدا للتسوية تحت السيادة الكاملة للمملكة”، مع الاستناد إلى المسار الأممي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
إسرائيل وفلسطين
أما بشأن العلاقات مع إسرائيل، فقد نفي بوريطة أن يكون استئناف العلاقات قد أدى إلى تغيير الموقف المغربي من القضية الفلسطينية، مؤكدا أن المغرب “ملتزم إلى جانب الشعب الفلسطيني”، وأن المملكة، مثل المؤيدين لحل الدولتين، تدعم إقامة دولتين تعيشان “جنبا إلى جنب في السلام والطمأنينة”.
وفي قراءة هذا الموقف، يرى البَرَّاق أن الجمع بين العلاقات مع إسرائيل والدفاع عن الحقوق الفلسطينية “لا يمثل تناقضا في السياسة الخارجية المغربية”.
وشدد في ذات السياق على أن المقاربة المغربية تقوم على أن “إحداث اختراقات دبلوماسية وامتلاك قنوات تواصل مباشرة ومتعددة الأبعاد مع الأطراف الفاعلة لا يشكل تراجعا عن المبادئ، بل يوفر روافع سياسية عملية وأدوات ضغط حقيقية لتفعيل تلك المبادئ على أرض الواقع”.
واختصر البَرَّاق هذه الفكرة بالقول: “قنوات التواصل الدبلوماسي ليست تنازلا عن المبادئ، بل هي أدوات ورافعة لتفعيلها”.
وبحسب البَرَّاق، فإن الموقف المغربي من حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين، يظل “معطى ثابتا غير قابل للمقايضة أو التأثر بالمتغيرات الإقليمية العابرة”.
وأشار في هذا السياق إلى موقع المغرب داخل ملف القدس، معتبرا أن الرباط تجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي وبين العمل الميداني والإنساني، خصوصا من خلال وكالة بيت مال القدس.
في ملف الاتحاد الإفريقي
وتطرق بوريطة أيضا إلى الجدل داخل الاتحاد الإفريقي بشأن وضع إسرائيل كمراقب. مؤكدا أن موقف المغرب يرتبط أولا بـ”المسطرة” وبضرورة احترام نصوص المنظمة.
وانتقد الوزير محاولات بعض الدول فرض مواقفها على الاتحاد الإفريقي. مشيرا إلى أن عددا كبيرا من الدول الإفريقية تربطه علاقات مع إسرائيل.
ويعكس هذا الموقف، في قراءة البَرَّاق، توجها مغربيا نحو الفصل بين العلاقات الثنائية التي تديرها الدول وبين المواقف التي يتم اتخاذها داخل المؤسسات متعددة الأطراف. مع التشديد على احترام القواعد والإجراءات المؤسسية.
وفي خلاصة قراءته، يرى شادي البَرَّاق عبد السلام أن هذه المقاربة تجعل من “الرصانة الاستراتيجية صمام أمان يحمي المواقف المغربية من التشنج والاندفاع”. معتبرا أن المملكة تسعى إلى تثبيت موقعها كـ”لاعب عقلاني مستقر” في محيط إقليمي يشهد تحولات جيوسياسية متواصلة.








