لا تكفي صدارة حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية لسنة 2026 لحسم شكل الحكومة المقبلة. بعدما أفرزت النتائج برلمانا لا يمتلك فيه أي حزب الأغلبية المطلقة. ما يجعل المشاورات المقبلة محكومة، بالدرجة الأولى، بقدرة الأحزاب على بناء تحالفات تتجاوز عتبة 198 مقعدا.
وقال علي أرجدال، دكتور في العلوم القانونية والسياسية، في تصريح لـ”سفيركم”. إن قراءة نتائج الانتخابات لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال “من تصدر الانتخابات؟”. وإنما الأكثر أهمية هو تحويل صدارة انتخابية إلى أغلبية حكومية قابلة للاستمرار.
وأوضح أرجدال أن حزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا. فالعدالة والتنمية بـ54 مقعدا. مشيرا إلى أن هذه الأرقام تؤكد في الوقت نفسه عدم امتلاك أي حزب بمفرده للأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا.
وحسب المتحدث، فإن ذلك يعني أن “الحكومة المقبلة لن تكون نتاج الرقم الأول فقط، وإنما نتاج هندسة سياسية للأرقام”. لأن الحزب المتصدر يملك أفضلية المبادرة السياسية والدستورية. لكنه يحتاج إلى شركاء لتكوين أغلبية برلمانية قادرة على دعم الحكومة.
وأشار أرجدال إلى أن الفصل 47 من الدستور يجعل تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. وهو ما يمنح الأصالة والمعاصرة موقعا متقدما في بداية مسار تشكيل الحكومة. دون أن يعني ذلك، حسابيا، قدرته على تشكيلها منفردا.
228 مقعدا أمام أول اختبار للتحالف
وفي قراءة للتركيبات الممكنة، وضع أرجدال تحالف الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال ضمن السيناريوهات التي تحقق الأغلبية. إذ يصل مجموع مقاعد الأحزاب الثلاثة إلى 228 مقعدا، أي بفارق 30 مقعدا عن العتبة المطلوبة.
ويرى المتحدث أن أهمية هذا السيناريو لا ترتبط بالحساب العددي فقط، إذ إن الأحزاب الثلاثة كانت مكونات للتحالف الحكومي السابق. غير أن نتائج انتخابات 2026 أعادت ترتيب مواقعها، بعدما أصبح الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى، فيما حل التجمع الوطني للأحرار ثانيا والاستقلال ثالثا.
لكن أرجدال شدد على أن العقبة في هذا السيناريو لا تكمن في جمع المقاعد، وإنما في “توزيع النفوذ، وترتيب الأولويات، وصياغة برنامج حكومي مشترك”.
وأضاف أن انتقال التجمع الوطني للأحرار من المرتبة الأولى إلى الثانية، وصعود الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى، إلى جانب احتلال الاستقلال المرتبة الثالثة بفارق مقعد واحد فقط عن الأحرار، كلها معطيات تدخل في الحسابات السياسية للأطراف خلال مرحلة التفاوض.
تحالفات أخرى تحقق الأغلبية
أما السيناريو الثاني الذي يطرحه أرجدال، فيجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية، بمجموع 216 مقعدا، أي أكثر بـ18 مقعدا من عتبة الأغلبية.
ويعتبر أرجدال أن هذا السيناريو يختلف عن الأول من الناحية السياسية، لأنه يجمع أحزابا ذات مواقع وتجارب سياسية مختلفة. فضلا عن عودة العدالة والتنمية بقوة إلى مجلس النواب. بعدما حصل على 54 مقعدا، مقابل 13 مقعدا في انتخابات 2021.
غير أن الحساب العددي، حسب المتحدث، “لا يكفي” في هذه الحالة، خصوصا مع الموقف المعلن للمجلس الوطني لـ”البيجيدي”، الرافض لمشاركة الحزب في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة.
وفي المقابل، فإن قيادة الأصالة والمعاصرة أعلنت عدم وضع خطوط حمراء أمام التحالفات. مع التأكيد على أن البرامج ستكون محددة للموقف. وهو ما يجعل أي نقاش حول هذه التركيبة مرتبطا بمسار التفاوض السياسي ومواقف الأطراف منه.
ونبه إلى أن بلوغ العتبة المطلوبة من المقاعد لا يعني بالضرورة أن الائتلاف سيكون منسجما أو قابلا للاستمرار، لأن “الائتلاف الفائز حسابيا قد يكون هشا سياسيا إذا كانت مصالح مكوناته متباعدة”.
حين يصبح المقعد الواحد ورقة تفاوضية
ولا تتوقف الحسابات، وفق أرجدال، عند الأحزاب الأربعة الكبرى. إذ إن بعض التركيبات الأخرى تقترب من عتبة الأغلبية لكنها تحتاج إلى دعم أحزاب إضافية.
وضرب في هذا السياق مثالا بتحالف الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية، الذي يصل إلى 191 مقعدا، أي أقل بسبعة مقاعد من الأغلبية المطلقة. فيما يصل تحالف الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية إلى 192 مقعدا.
وأشار إلى أن هذه الوضعية تمنح الأحزاب الصغيرة والمتوسطة أهمية خلال مرحلة التفاوض. رغم محدودية وزنها العددي مقارنة بالأحزاب المتصدرة.
وأوضح أن قيمة الحزب داخل المفاوضات لا تقاس دائما بعدد المقاعد التي يمتلكها. وإنما بقدرته على تغيير نتيجة ائتلاف معين. موضحا أن الحزب الذي يمتلك عددا محدودا من المقاعد قد يصبح “لاعبا حاسما” إذا كان وجوده هو الفارق بين 197 و198 مقعدا.
نظرية اللعبة
ومن أجل قراءة هذه المعادلة، استحضر أرجدال “نظرية اللعبة” باعتبارها مدخلا لفهم التفاعلات بين الأحزاب. وليس باعتبار السياسة لعبة بالمعنى الترفيهي.
وقال أن الأمر يتعلق بفضاء تتقاطع فيه مصالح فاعلين لكل واحد منهم مكاسب يسعى إلى تعظيمها. وكلفة يريد تقليصها، وخيارات لا يستطيع اتخاذها بمعزل عن خيارات الآخرين.
وبهذا المعنى، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يستطيع جمع العدد الكافي من المقاعد. وإنما أيضا بما سيكسبه كل طرف من التحالف، وما قد يخسره. ومدى قدرته على الدفاع عن برنامجه وموقعه السياسي داخل الحكومة المقبلة.
وشدد أرجدال على أن تشكيل الحكومة لا يمكن اختزاله في عملية حسابية لجمع المقاعد. لأن الائتلاف الحكومي يمثل، في نهاية المطاف، اتفاقا سياسيا بين أطراف متعددة. لكل منها برنامجه وحساباته وقواعده الداخلية وصورته أمام الناخبين.
من المنافسة الانتخابية إلى التفاوض على السلطة
وحسب أرجدال، فإن المرحلة التي أعقبت إعلان النتائج تنقل الأحزاب من منطق المنافسة على المقاعد إلى منطق التفاوض حول السلطة والمسؤولية.
فالأصالة والمعاصرة خرج من الانتخابات متصدرا، لكنه لم يحصل على الأغلبية المطلقة. فيما يحتفظ التجمع الوطني للأحرار والاستقلال بموقعين يجعلان مشاركتهما مؤثرة في عدد من التركيبات الممكنة. بينما أعادت نتيجة العدالة والتنمية الحزب إلى صلب المعادلة البرلمانية. مع بقاء موقفه من المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة عاملا مؤثرا في بعض السيناريوهات.
واعتبر المتحدث أن المشهد الجديد لا ينبغي قراءته فقط بمنطق “الفائز والخاسر”. وإنما من خلال “موازين القوة، ونقاط التقاطع، ومناطق التعارض، واللاعبين الحاسمين”.
وخلص أرجدال إلى أن الاختبار الحقيقي للأحزاب في المرحلة المقبلة سيكون قدرتها على الانتقال من منطق الخطاب الانتخابي إلى منطق المسؤولية الحكومية. لأن الانتخابات تمنح الشرعية السياسية، بينما تمنح التحالفات القدرة على تشكيل الحكومة. في حين يبقى البرنامج الحكومي الإطار الذي يحول هذه القدرة إلى التزام مؤسساتي.








