جسركم إلى الخبر

بقلم: أحمد البوز

تطفو على سطح النقاش السياسي والدستوري كلما أفرزت الصناديق الانتخابية خريطة تشريعية جديدة، تجاذبات ونقاشات حول منهجية تعيين رئيس الحكومة، وتحديدا حول السؤال المركزي: هل يعين الأمين العام للحزب المتصدر للانتخابات أم شخصية أخرى من داخل الهيئة السياسية ذاتها؟ فما إن تهدا حمى الحملات الانتخابية وتعلن النتائج الرسمية، حتى تتناسل القراءات التأويلية بين اتجاه يلتزم بصريح النص والمنهجية الديمقراطية، واتجاه يسعى لإقحام فصول ومبادئ دستورية عامة لفتح هامش أكبر للتأويل. ومثل هذه التحليلات والتوضيحات، التي تحاول تأطير مسألة التعيين بمرجعيات تتجاوز المنطق المباشر للاقتراع، تدعو إلى التوقف والمساءلة، إذ تطرح سؤالا جوهريا حول الحدود الفاصلة للتأويل الدستوري، وما إن كانت هذه التفسيرات تعيد الممارسة السياسية، بعلم أو دون علم، إلى مربع ما قبل محطة 2011 التاريخية.

ينص الفصل 47 من دستور 2011 في فقرته الأولى بشكل لا يدع مجالا للشك على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويتضح من القراءة الأولى لهذه الفقرة أن المشرع الدستوري صاغ قاعدة قانونية آمرة ومباشرة، لا تتسم بالغموض ولا تحتمل خيارات متعددة خارج إطار الهيئة السياسية الفائزة. وتمثل هذه الفقرة القالب القانوني الصريح لما يعرف بـ “المنهجية الديمقراطية”، وهو المبدأ الذي أقره دستور 2011 لربط القرار السياسي والإداري التنفيذي بإرادة الناخبين الصريحة عبر صناديق الاقتراع. وفي الفقه الدستوري وقواعد التفسير القانوني المستقرة، تطبق قاعدة أساسية مفادها أن النص الخاص يقدم على النص العام. وبالتالي، فإن الفصل 47 يمثل النص الخاص والحصري المنظم للحظة تكليف رئيس الحكومة وتشكيلها، وأي محاولة لتجاوزه أو التخفيف من إلزاميته بآليات تأويلية عامة تعد خروجا عن المقصد المباشر للوثيقة الدستورية.
تكمن الإشكالية هنا في محاولات إقحام الفصل 42 من الدستور في لحظة سياسية يحكمها النص الخاص وهو الفصل 47. وتصبح هذه الإشكالية أكثر دلالة عندما نستحضر أن الممارسة السياسية المغربية عانت لعقود من التوظيف الموسع للفصل 19 غير المأسوف عليه في دساتير ما قبل 2011، حيث كان ينظر إليه كدستور فوق الدستور سمح تأويله بمنح الملك صلاحيات تكاد تكون مطلقة، وجعلته يحل محل المؤسسات الدستورية في ممارسة بعض اختصاصاتها. وخلال الهندسة الدستورية لسنة 2011، كان الهدف الأساسي للمشرع الدستوري هو وضع حد صريح لهذه الازدواجية الدستورية بين “الدستور المكتوب” و”الدستور الفعلي”، ولذلك تم تقسيم هذا الفصل إلى الفصل 41، الذي يحدد الاختصاصات الدينية للملك بصفته أميرا للمؤمنين، والفصل 42 الذي يحدد صفة الملك كرئيس للدولة وممثلها الأسمى، وضامنا لدوام الدولة واستمرارها وحسن سير مؤسساتها الدستورية.

والملاحظة الجوهرية هنا هي أن الفصل 42 نفسه حسم مسألة ممارسة هذه المهام بعبارة صريحة تنص على أن الملك يمارس هذه المهام بمقتضى ظهائر من خلال الاختصاصات المحددة صراحة في الدستور. ولذلك، فالصلاحيات المرتبطة برئاسة الدولة وحسن سير المؤسسات ليست شيكا على بياض للحلول محل باقي النصوص الأخرى، بل هي اختصاصات تمارس عبر الطرق المحددة حصرا في بقية فصول الوثيقة الدستورية. ومن هنا فإن التلويح بالفصل 42 في لحظة تعيين عادية منظمة بالفصل 47 يعد استحضارا غير مبرر لمنطق الفصل 19 القديم، وهو ما يعني عمليا تهميش مخرجات العملية الانتخابية والالتفاف على مبدأ الإرادة الشعبية التي جعلها الدستور مصدر السلطات، والعودة بنا إلى ما قبل 2011.
غالبا ما يستشهد أصحاب مثل هذه القراءة بسيناريو تشكيل الحكومة ما بعد انتخابات 2016 وما عرف إعلاميا بـ “البلوكاج”، غير أن القراءة الدستورية الهادئة لتلك المحطة تثبت العكس تماما. فمن جهة، تم الالتزام الحرفي بالفقرة الأولى من الفصل 47 عبر تكليف الأمين العام للحزب المتصدر لنتائج الانتخابات، أي حزب العدالة والتنمية. ومن جهة ثانية، وحتى عندما طال “البولكاج السياسي” وهدد باختلال السير العادي لمؤسستي البرلمان والحكومة، لم يقع أي التفاف على نتائج الصناديق إذ أُعيد التكليف لشخصية أخرى من نفس الحزب المتصدر، وهو ما ينسجم تماما مع جوهر الفصل 47 وأفضليته الإلزامية. أما الإحالة المرجعية لـ “روح الدستور” أو الفصل 42 في بيان الديوان الملكي آنذاك، فلم تكن لتخلق آلية تعيين جديدة أو موازية للفصل 47، بقدر ما كانت مجرد تغطية سياسية لتجاوز حالة الشلل وتيسير التكليف الثاني داخل نفس الحزب المصدر. وبذلك، تظل هذه المحطة تأكيدا على أولوية المنهجية الديمقراطية ومحورية الفصل 47، وتفند محاولات تحويل الاستثناء العلاجي إلى قاعدة، أو اتخاذ الانسداد السياسي ذريعة للتقليص المسبق من قيمة نتائج الاقتراع.

إن احترام الدستور وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة، وتوطيد دولة المؤسسات وتطوير الممارسة السياسية الفضلى يقتضيان الاستقرار على “قواعد لعب” واضحة، والنأي عن التأويلات الملتوية التي تفرغ الاستحقاقات الانتخابية من مدخلها الديمقراطي رغم ما تثيره مخرجاتها من ملاحظات بل وانتقادات. فلا أحد يجادل في السلطة التقديرية للملك في اختيار الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة من داخل الحزب المتصدر، سواء كان أمينه العام أو قيادي آخر به، فهذا حق دستوري مكرس ويمارس حصريا داخل دائرة الحزب المتصدر. غير أنه، وبما أن النص الدستوري لا يمنع ذلك، فإن احترام “المنهجية الديمقراطية” تجعل تعيين الأمين العام للحزب المتصدر التطبيق الأكثر انسجاما مع روح الدستور وجوهر هذه المنهجية، وهي ممارسة حرص الملك على ترسيخها وتثبيتها منذ مراجعة 2011، بل فعل نفس الأمر حتى في ظل دستور 1996 حين عين الأمين العام لحزب الاستقلال عقب انتخابات 2007، تداركا للجدل السياسي والمؤسساتي الذي أعقب تعيين شخصية تكنوقراطية (إدريس جطو) سنة 2002 على حساب الحزب المتصدر آنذاك، أي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

ولذلك، فإن الانطلاق من هذا المسار التاريخي والدستوري الذي تمت مراكمته حتى الآن، يجعل كل محاولة اقحام الفصل 42 لتوسيع السلطة التقديرية خارج حدود الفصل 47، والتي قد تخفي في جوهرها دفاعا ضمنيا عن ترتيبات أو أشخاص بأعينهم، تعد ارتدادا عن المكتسبات الدستورية لسنة 2011. وبالتالي، فإن حماية الدستور وضمان الممارسة السياسية السليمة تقتضي صيانة الفصل 42 في موقعه الطبيعي كضمانة سيادية استراتيجية لوحدة الدولة واستمراريتها، وترك الفصل 47 يعمل بسلاسة دون تشويش لتكريس الإرادة الشعبية المصرح بها عبر صناديق الاقتراع.

شاركها.

التعليقات مغلقة.