مباشرة بعد تعيين الملك محمد السادس للمنسقة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة للحكومة مكلفة بتشكيلها، عاد إلى واجهة النقاش العمومي سؤال شغل الرأي العام منذ أن تم الإعلان عن تصدر “البام” لنتائج الانتخابات الأخيرة، وهو سؤال: هل يجوز شرعا أن تتقلد امرأة منصب رئيسة الحكومة؟
وقبل استعراض الآراء الفقهية التي تناولت موضوع تولي المرأة لهذا المنصب التنفيذي، يُشار إلى أن الملك، بصفته أميرا للمؤمنين، هو الممثل الأسمى للأمة والمؤتمن على “حماية الملة والدين”. وهو رئيس المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى إصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا. كما أن الإطار الدستوري المغربي يميز بين الاختصاصات الدينية المرتبطة بإمارة المؤمنين وبين العمل التنفيذي الذي تضطلع به الحكومة.
ومن أبرز الاجتهادات التي تفرق بين الولاية العظمى وبين الوظائف التنفيذية الحديثة. ما ذهب إليه الفقيه المغربي أحمد الريسوني في كتابه “الشورى في معركة البناء”. حين ناقش الاستدلال بحديث “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” على منع المرأة من المشاركة في الشأن العام.
ويرى الريسوني أن تعميم الحديث على كل صور الولاية العامة ليس أمرا مسلما به. مميزا بين رئاسة الدولة بالمفهوم التقليدي وبين عضوية المؤسسات السياسية الحديثة. التي تقوم على توزيع الاختصاصات وعدم تركيز السلطة في يد شخص واحد.
من جهتها، ذهبت دار الإفتاء المصرية إلى أن المرأة يجوز لها تولي الولايات العامة ومباشرة حقوقها السياسية. وأن توليها للسلطات التنفيذية في العصر الحديث جائز بشرط الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.
وفي فتوى أخرى. أكدت دار الإفتاء أن الحديث النبوي “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” ورد في سياق واقعة محددة مرتبطة بتولي ابنة كسرى الحكم في فارس. معتبرة أن حمله على منع المرأة من جميع المناصب القيادية على سبيل العموم ليس استدلالا صحيحا.
ويبرز في الاجتهادات المعاصرة أيضا التمييز بين مفهوم الخلافة أو الإمامة العظمى في الفقه السياسي القديم، وبين الدولة الحديثة التي تقوم على المؤسسات وتوزيع السلطات والاختصاصات. وبناء على هذا التصور، تصبح رئاسة الحكومة وظيفة تنفيذية مؤسساتية، وليست بالضرورة مرادفة لمفهوم الإمامة العظمى.
ويعزز هذا الاتجاه اعتبار الكفاءة والأهلية وتحقيق المصلحة العامة معايير أساسية لتولي المناصب التنفيذية. وهو ما عبرت عنه دار الإفتاء المصرية صراحة حين ربطت جواز تولي المرأة الولايات التنفيذية بكفاءتها وقدرتها على تحمل المسؤولية.
في المقابل، لا يخلو التراث الفقهي من آراء ترفض تولي المرأة الولاية العامة. مستندة أساسا إلى الحديث النبوي المذكور. وهو موقف تبناه عدد من فقهاء الجمهور. غير أن هذا الاتجاه لا يحظى بإجماع فقهي. كما أن دلالة الحديث وحدها على منع المرأة من كل المناصب التنفيذية الحديثة ظلت محل نقاش بين العلماء. خاصة مع اختلاف طبيعة السلطة في الدولة الحديثة عن مفهوم الإمامة العظمى في الفقه السياسي القديم.


