بقلم: مجيد سداتي
كشفت النتائج الانتخابية الأخيرة عن تراجع لافت في رصيد أحزاب وطنية عريقة، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي انخفض عدد مقاعده من 34 إلى 26. ولم يكن هذا التراجع مفاجئا لمن يتابع مسار الحزب عن كثب، إذ يبدو أنه جاء نتيجة تراكمات تنظيمية وسياسية، في مقدمتها ما يُثار حول الابتعاد عن المرجعيات المؤسسة للحزب، وتراجع الديمقراطية الداخلية، وتضييق مساحة الاختلاف وإقصاء الأصوات المعارضة. وهكذا اتسعت المسافة بين صورة الحزب كما صنعتها ذاكرته النضالية، وبين واقع تنظيمي بات يثير، في نظر عدد من مناضليه، أسئلة مقلقة حول تراجع التداول وتضييق مساحة الاختلاف وصعود منطق الولاءات والمواقع. وهي مفارقة لم تبقَ محصورة داخل البنية التنظيمية، بل امتدت آثارها إلى علاقة الحزب بقواعده ومحيطه الانتخابي.
ولفهم جذور الأزمة التي يعيشها الحزب اليوم، لا بد من العودة إلى بعض المحطات المفصلية في تاريخه التنظيمي، وفي مقدمتها المؤتمر الاستثنائي سنة 1975، الذي شكل محطة تأسيسية في بلورة المبادئ العامة التي أصبحت جزءا من المرجعية التاريخية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فقد تبنى الحزب خلال المؤتمر، الاشتراكية الديمقراطية مرجعية فكرية وسياسية، وربطها بمشروع لبناء مجتمع يقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ودافع عن دمقرطة الدولة والمجتمع، وسيادة القانون، وتعزيز دور المؤسسات المنتخبة، وربط السلطة بالمسؤولية والمساءلة. كما جعل من الدفاع عن الحقوق والحريات، والمواطنة والمساواة، واحترام التعدد والتنوع والاختلاف أحد أهم مرتكزاته، بالتوازي مع، إرساء الديمقراطية الداخلية، والتجدد وتداول المسؤوليات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها مبادئ ناظمة لحياته التنظيمية وممارسته السياسية والحزبية.
ولم تكن هذه المبادئ مجرد شعارات سياسية، بل أسست لبداية مشروع مجتمعي حداثي وتقدمي، يقوم على المواطنة والمساواة والانفتاح، مع التشبث بالمقومات الوطنية والثقافية والحضارية للمغرب. كما شكلت أساسا لعلاقة قوية بين الحزب وبين فئات واسعة من المجتمع، آمنت بمشروعه وانخرطت في النضال من أجله، وقدمت، في ظروف سياسية صعبة، تضحيات كبيرة دفاعا عن قناعاتها ومبادئها. ومن خلال تلاقي المرجعية السياسية مع العمل التنظيمي والنضال الميداني، استطاع الحزب أن يبني عبر عقود رصيدا سياسيا ورمزيا مهما، وأن يرسخ موقعه كأحد أبرز الفاعلين في مسار اليسار المغربي.
وقد بلغ الحزب ذروة حضوره السياسي والانتخابي في نهاية التسعينيات وبداية الألفية، مستفيدا من رصيده التاريخي والتنظيمي وقاعدته الشعبية، رغم أن تلك المرحلة الانتخابية لم تخلُ من ممارسات أثرت في نزاهة الاستحقاقات وصدقيتها. وفي هذه المرحلة، تولى الحزب قيادة حكومة التناوب التوافقي، في تجربة سياسية شكلت محطة بارزة في تاريخ المغرب الحديث، وأسهمت في تأمين انتقال سلس للسلطة بين عهدين ملكيين، في سياق اتسم بالحذر السياسي وبالسعي إلى ضمان استمرارية المؤسسات واستقرار الدولة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بكل ما يحمله من قلق ومساءلة، هو: ما الذي تبقى من تلك المرجعية في الممارسة السياسية والتنظيمية للحزب؟ وإلى أي حد ما تزال مبادئ الديمقراطية الداخلية، وتداول المسؤوليات، وقبول الاختلاف، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حاضرة في تدبير شؤونه واختيار قياداته وعلاقته بقواعده ومحيطه الاجتماعي؟
ولعل تتبع المسار التنظيمي للحزب خلال العقود الأخيرة يكشف بوضوح أكبر طبيعة هذه المفارقة؛ فقد شكلت مؤتمراته الوطنية محطات كاشفة عن التحولات التي طرأت على بنيته وآليات اشتغاله، ولا سيما المؤتمرات السادس والعاشر والحادي عشر. فقد أعادت هذه المحطات إلى الواجهة جملة من القضايا التي ظلت تتكرر دون حسم نهائي، وفي مقدمتها الديمقراطية الداخلية، وتجديد القيادة، وتداول المسؤوليات، وتدبير الاختلاف، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلا عن موقع المعارضة داخل الحزب وحدود حضورها وتأثيرها في صناعة القرار. ومن ثم، فإن العودة إلى هذه المحطات لا تستهدف استحضار التاريخ لذاته، وإنما محاولة فهم كيف انتقلت بعض الإشكالات من مجرد خلافات تنظيمية عابرة إلى عناصر بنيوية في الأزمة التي يواجهها الحزب اليوم.
وبموازاة هذه الإشكالات التنظيمية، عرف الحزب تحولا سياسيا بالغ الأهمية تمثل في الانتقال من موقع المعارضة إلى المشاركة في تدبير الشأن العام، وهو تحول حمل معه مسؤوليات جديدة، لكنه وضع أيضا تجربته السياسية ومرجعيته أمام اختبار الممارسة. ومع مرور الوقت، تزامن ذلك مع بروز أزمات تنظيمية وانقسامات داخلية، وتراجع وتيرة تجديد النخب، وضعف الصلة بجزء من القواعد الاجتماعية التي شكلت تاريخيا أحد مصادر قوته.
ورغم أن البيانات والخطابات السياسية الصادرة عن الحزب تؤكد، في كل مناسبة، تشبثه بمرجعيته التاريخية وثوابته ومبادئه التنظيمية والسياسية، فإن المسافة بين هذه المرجعية المعلنة والممارسة التنظيمية الفعلية اتسعت بشكل لافت، بما يثير تساؤلات جدية حول مدى ترجمة تلك المبادئ إلى قواعد وممارسات مؤسساتية ملموسة. ومن هذه الزاوية، تبدو الأزمة الراهنة، في جانب منها، نتيجة لمسار تراكمي من الإشكالات التنظيمية والسياسية التي تعاقبت عبر مراحل مختلفة دون أن تجد حلولا حاسمة، الأمر الذي أضعف القدرة على تجديد الثقة وتعزيز التماسك الداخلي واستعادة الحيوية التنظيمية للحزب.
وهكذا جرى طيلة هذه الفترة وأد الديمقراطية الداخلية بشكل ممنهج، لا سيما منذ موافقة المؤتمر الوطني الحادي عشر على تعديل القواعد التي كانت تحد من عدد الولايات، تارة بذريعة تداعيات جائحة كورونا، وتارة أخرى بحجة ضمان الاستمرارية ورص الصفوف استعدادا للاستحقاقات الانتخابية، وهو ما مكن الكاتب الأول للحزب من الاستمرار لولاية ثالثة، في وقت بدأت تبرز مؤشرات مقلقة توحي بأفق مشدود إلى تفكير ذي نزعة توريثية لافتة. وقد أدى هذا المسار إلى إضعاف أحد أهم مرتكزات الديمقراطية الحزبية، والمتمثل في مبدأ التداول على القيادة بعد استنفاد ولاية أو ولايتين مع إمكانية العودة بعد ولاية فاصلة، وبحد أقصى ثلاث ولايات في المجموع، وهو المبدأ المتعارف عليه في التجارب الديمقراطية العالمية. وقد أثار الأمر جدلا واسعا واستهجانا من جانب عدد من الأصوات الاتحادية وشريحة من الرأي العام المغربي.
ولم يقتصر أثر الأزمة على تدبير القيادة وتداول المسؤوليات، بل امتد إلى طبيعة علاقة الحزب بقاعدته الاجتماعية وإلى أساليب اشتغاله السياسي والانتخابي، في سياق مشهد سياسي عرف تحولات عميقة، مع بروز أحزاب إدارية ومنافسين جدد، وتغير أنماط التصويت والاستقطاب. وفي مواجهة هذه التحولات، تراجع تدريجيا دور العمل الميداني والتأطير الحزبي، مقابل تنامي الاعتماد، في بعض الاستحقاقات، على مرشحين من فئة «الأعيان» يمتلكون نفوذا محليا وشبكات قادرة على تعبئة الأصوات، فيما يشبه «الميركاتو» السياسي، فأصبحت الاعتبارات الانتخابية، وتغليب منطق المصالح وتبادل المنافع تتقدم أحيانا على الانتماء الحزبي والالتزام بمرجعيته السياسية والمجتمعية.
وبقدر ما قد يوفر هذا المنطق مكاسب ظرفية، فإنه يظل عاجزا عن بناء قوة سياسية مستدامة ما لم يقترن بإعادة الاعتبار للحزب، وتجديد الصلة بالقواعد الاجتماعية، واستعادة الثقة في مشروعه السياسي. ومن ثم، فإن الرهان لا ينبغي أن يختزل في عدد المقاعد التي يمكن انتزاعها في استحقاق انتخابي، وإنما في قدرة الحزب على استعادة دوره كتنظيم سياسي يستمد قوته من مبادئه وبرنامجه وامتداده داخل المجتمع.
لم تتوقف تداعيات هذا التحول عند حدود العلاقة بالقاعدة الاجتماعية أو النتائج الانتخابية الكارثية، بل امتدت أيضا إلى الحياة الداخلية للحزب، خصوصا مع تصاعد بعض الأصوات المنتقدة، رغم قلتها، لخياراته ومساره السياسي والتنظيمي. وكان يُفترض أن تُقابل هذه الانتقادات بالمراجعة والنقد الذاتي وفتح نقاش داخلي مسؤول حول مكامن الخلل، غير أن جزءا منها وُوجه بخطاب حاد اتسم بالتشكيك والتخوين، حتى أصبح الاختلاف يُقدم باعتباره استهدافا للحزب وتاريخه وقيادته. وهو ما يطرح، في العمق، سؤالا حول مدى الانسجام بين الممارسة الفعلية والمبادئ التي ظل الحزب يؤكد عليها، وفي مقدمتها التجدد، وتداول المسؤوليات، وقبول الاختلاف، وترسيخ ثقافة النقد والمساءلة. فحين يتحول النقد من أداة للتصحيح إلى مصدر للاتهام، يفقد الحزب إحدى أهم الآليات التي تمكنه من مراجعة أخطائه وتجديد نفسه من الداخل.
وإذا كان تضييق مساحة النقد وإضعاف آليات المساءلة قد أسهما في تعميق الأزمة، فإن اختزال المسؤولية في شخص القيادة وحده لن يكون كافيا لفهم أبعادها أو لمعالجة أسبابها. فالأزمات التنظيمية لا تُنتجها إرادة فرد واحد فقط، وإنما تتشكل داخل منظومة من العلاقات والمواقف والمؤسسات التي تسمح باستمرار خيارات معينة وتوفر لها الغطاء التنظيمي والسياسي.
والتجارب السياسية والتنظيمية تؤكد أن الأحزاب التي تربط استقرارها واستمرارها بشخص واحد تصبح أكثر شمولية واستبدادا، وأكثر عرضة للتآكل عندما تتراجع قدرتها على التجدد وإنتاج البدائل.
إن التاريخ وقوانين السياسة تؤكد بلا شك أن الشعوب والمناضلين الأحرار لا يرضون بالظلم أبدا مهما طال أمده، وأن مآل أي حزب يُختزل في شخص واحد هو الاندثار. والمفارقة التاريخية الساطعة أن الزعماء من هذه الطينة ينتهي بهم المطاف منبوذين، وأول من يتبرأ منهم وينبذهم عند أول تباشير السقوط هم حاشيته أنفسهم. من هنا، فإن محاسبة الزعيم أو تنحيته وحدها لن تعالج الداء المستشري، بل يجب أن تمتد لتشمل المكتب السياسي والهياكل الحزبية برمتها التي شاركت في صناعة القرار أو وفرت له شروط الاستمرار، مع تعرية أدوار المتواطئين الذين باركوا خنق الأصوات الحرة وكانوا سببا في هذا الانحدار.
ومن هنا، فإن تجاوز الأزمة لا يمر فقط عبر تغيير الأشخاص، وإنما عبر مراجعة المنظومة التنظيمية برمتها، وإعادة بناء الديمقراطية الداخلية، وتجديد النخب، وفتح المجال أمام التعدد والاختلاف، وترسيخ ثقافة النقد والمساءلة. وحده هذا المسار يمكن أن يعيد وصل الحزب بإرثه النضالي، ويمنحه القدرة على استعادة حيويته التنظيمية وصلته بقواعده وثقة الناخبين فيه.
ولكن، في ظل مشهد سياسي يفتقر، في كثير من الأحيان، إلى قيادات تمتلك شجاعة الاعتراف بالإخفاق وتحمل مسؤوليته، بما في ذلك التنحي الطوعي عند الضرورة، يبقى كل شيء ممكنا، وقد لا نستغرب أن يطل علينا غدا زعيم سياسي، معلنا أن شرعيته لا تستمد من تفويض ديمقراطي متجدد، ولا من احترام قواعد المؤسسة، ولا من القدرة على تمثيل مشروعها، ولا من القبول بالمحاسبة والتداول، وإنما من وحي إلهي، صارخا في وجه معارضيه: «أتريدون أن تنزعوا عني قميصا ألبسنيه الله؟»


