كشفت دراسة رصدية تحليلية حول العنف السياسي الرقمي ضد النساء خلال انتخابات مجلس النواب 2026 عن تسجيل 481 حالة تشهير بالمرشحات. بنسبة بلغت 76.6 في المائة من مجموع الحالات الموثقة. إلى جانب 436 حالة خطاب كراهية أو تحقير بسبب الجنس. و405 حالات لنشر معلومات غير مؤكدة، و376 حالة للأخبار الزائفة أو الإشاعات.
وأظهرت الدراسة، التي أنجزتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة بشراكة مع المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي. أن العنف الرقمي الذي طال النساء وكيلات اللوائح المحلية خلال الحملة الانتخابية لم يكن مقتصرا على نمط واحد. بل اتخذ أشكالا متداخلة شملت أيضا المس بالحياة الخاصة والتهديد والترهيب. فضلا عن استعمال صور وفيديوهات مفبركة ومحتويات تحمل مؤشرات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وجاءت هذه النتائج في سياق سياسي مغربي ارتفع فيه حضور النساء في مواقع القرار. وصولا إلى تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب. غير أن هذا المسار نحو الدفع باتساع الحضور النسائي في المجال السياسي لم يلغي استمرار أشكال الاستهداف الرقمي التي رصدتها الدراسة ضد النساء المشاركات في المنافسة الانتخابية.
وبينما وصلت المرأة إلى أعلى مستويات المسؤولية السياسية. كشفت المعطيات الميدانية أن عددا من النساء، في مستويات مختلفة من التمثيلية والمشاركة، ما زلن يواجهن التشهير والتحقير بسبب الجنس والمس بالحياة الخاصة والتضليل والتهديد. بما يجعل العنف الرقمي ظاهرة تمتد عبر مختلف مستويات الحضور النسائي في المجال السياسي، من مواقع القرار العليا إلى ساحات المنافسة الانتخابية المحلية.
واعتمد الرصد، الذي امتد من 10 إلى 23 شتنبر 2026، على عينة من 42 امرأة وكيلة للائحة انتخابية محلية. موزعات على عدد من الجهات والدوائر الانتخابية، ومنتميات إلى الأحزاب السياسية الممثلة بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026. واشتغل 21 راصدة وراصدا على توثيق الحالات وفق منهجية واستمارة موحدتين. قبل إخضاع المعطيات للتحليل الكمي والكيفي والقانوني.
وسجلت الدراسة 271 حالة للمس بالحياة الخاصة، بما يمثل 43.2 في المائة من مجموع الحالات الموثقة. فيما رصدت 64 حالة للتهديد أو الترهيب، بنسبة 10.2 في المائة. كما وثقت 25 حالة مرتبطة بصور أو فيديوهات مفبركة. إلى جانب 23 حالة حملت مؤشرات على استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتعكس هذه الأرقام، حسب نتائج الدراسة، طبيعة مركبة للعنف السياسي الرقمي. إذ لا تمثل الفئات المرصودة حالات منفصلة بالضرورة. بل يمكن للحالة الواحدة أن تجمع أكثر من شكل من أشكال الاستهداف.
وفي هذا السياق، اجتمع التشهير والتحقير بسبب الجنس في 330 حالة، أي ما يعادل 52.5 في المائة من مجموع قاعدة الدراسة. فيما اجتمع التشهير والمس بالحياة الخاصة في 247 حالة. والمس بالحياة الخاصة والتحقير بسبب الجنس في 205 حالات. كما سجل الرصد تداخل التهديد أو الترهيب مع التحقير القائم على الجنس في 57 حالة.
وأوضحت الدراسة أن هذه المعطيات تشير إلى أن استهداف النساء في الفضاء السياسي الرقمي يجمع. في جانب مهم منه، بين المس بالسمعة والتضليل والتحقير بسبب الجنس وانتهاك الحياة الخاصة. وقد يصل في بعض الحالات إلى التهديد والترهيب.
وتوقفت الدراسة أيضا عند حدود الحماية التي يوفرها الإطار القانوني لمواجهة هذه الممارسات. مشيرة إلى أن القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، بعد التعديلات المدخلة عليه في يناير 2026. سجل تطورا من خلال الاعتراف الصريح بشبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية والتطبيقات المعتمدة على الإنترنت والأنظمة المعلوماتية وأدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسائل يمكن أن ترتكب عبرها أفعال انتخابية مجرمة.
غير أن الدراسة خلصت إلى أن الاعتراف القانوني بالوسيلة الرقمية لا يعني اكتمال الحماية من مختلف صور العنف السياسي الرقمي. إذ يظل الانتقال من الحالة المرصودة إلى وصف جنائي مرتبطا بإثبات مجموعة من العناصر. من بينها كذب المحتوى وهوية الفاعل والقصد الجنائي وصلته بالعملية الانتخابية.
كما سجلت الدراسة صعوبات تقنية مرتبطة بإثبات أصالة الصور والفيديوهات والمحتويات التي يشتبه في إنتاجها أو تعديلها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. فضلا عن محدودية استيعاب بعض صور العنف السياسي الرقمي القائم على النوع الاجتماعي.
وأوضحت أن بعض الممارسات قد تستهدف المرأة بسبب جنسها أو تشكك في أهليتها للمشاركة السياسية. من دون أن تجد دائما وصفا قانونيا مجرما لها عندما لا تقترن بواقعة كاذبة أو تهديد أو مس بالحياة الخاصة. وفق العناصر المحددة قانونا.
وحددت الدراسة في هذا الصدد ثلاث فجوات رئيسية، تتمثل الأولى في الفجوة بين المفهوم الاجتماعي والحقوقي للعنف وبين الوصف الجنائي المحدد قانونا. والثانية في الفجوة بين وجود القاعدة القانونية وإمكان إثبات عناصرها داخل البيئة الرقمية. فيما تتعلق الثالثة بالفجوة بين الحماية العامة للعملية الانتخابية وخصوصية العنف الذي يستهدف النساء بسبب حضورهن السياسي.
واعتبرت الدراسة أن تحديث القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب شكل خطوة في اتجاه استيعاب التحول الرقمي للعملية الانتخابية. غير أن التحدي يمتد، إلى جانب الفضاء الرقمي. إلى المنظومة القانونية والمؤسساتية وقدرتها على التعرف على الأشكال المركبة للعنف وتكييفها وتيسير سبل إثباتها وضمان استجابة سريعة وفعالة للأفعال الجرمية المرتكبة.
ودعت الدراسة، على مستوى السلطة التشريعية، إلى فتح النقاش بشأن الحاجة إلى تعريف أكثر وضوحا للعنف السياسي الرقمي. وبحث موقع البعد القائم على الجنس داخل الحماية الانتخابية، سواء عبر وضع وصف خاص أو اعتباره ظرفا مشددا عندما يكون الجنس دافعا أو مكونا أساسيا للفعل. إلى جانب مراجعة مدى كفاية الحماية من التهديد والترهيب الرقمي وتدقيق العلاقة بين التضليل الانتخابي. واشتراط إثبات القصد الخاص بالتأثير في التصويت.
كما أوصت السلطة التنفيذية ببحث إحداث آلية وطنية واضحة وسريعة لتلقي الإشعارات والشكايات المتعلقة بالمحتوى الرقمي خلال الفترات الانتخابية. وتطوير التعاون المؤسساتي مع المنصات الرقمية بما يوازن بين حماية حرية التعبير. وحفظ الأدلة والاستجابة للمحتويات التي يحتمل أن تدخل في نطاق الجرائم الانتخابية.
وبالنسبة إلى الأحزاب السياسية، دعت الدراسة إلى إدماج السلامة الرقمية ضمن برامج تكوين المرشحات والمرشحين. وتوفير المواكبة في توثيق حالات الاستهداف والتبليغ عنها. وتعزيز قدرة فرق الحملات على التمييز بين النقد السياسي المشروع والممارسات التي يمكن أن تمس بالحقوق أو بحرية المشاركة السياسية.
كما أوصت بتطوير آليات داخلية للرصد والاستجابة. حتى لا تواجه المرشحات بمفردهن حملات التشهير أو التهديد أو الاستهداف الرقمي المنظم.
وأكدت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة والمرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي أن ضمان المشاركة السياسية للنساء يقتضي توفير شروط ممارسة سياسية آمنة. تحمي حرية التعبير والمنافسة الديمقراطية. وتواجه في الوقت نفسه الممارسات الرقمية التي قد تتحول إلى أدوات للتشهير أو الترهيب أو الإقصاء القائم علىا النوع الاجتماعي.


