دعت الأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية لطيفة البوحسيني إلى تنسيق بين حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل أولويات المغاربة. معتبرة أن ما يجمع الطرفين أكثر مما يفرقهما، رغم الاختلافات الإيديولوجية والمرجعية بينهما. ومشددة على ضرورة الحفاظ على استقلالية القرار الحزبي وعدم تفويت اللحظة السياسية الراهنة.
وقالت البوحسيني، خلال الندوة التي نظمها الحزب الاشتراكي الموحد بالرباط مساء أمس الخميس حول “قراءات متقاطعة في انتخابات 23 شتنبر”. إن التنسيق المقترح لا يعني الدعوة إلى تحالف سياسي أو ذوبان أحد الطرفين في الآخر. وإنما يقتضي العمل المشترك في الملفات التي يلتقي حولها الطرفان موضوعيا. من قبيل التعليم والصحة وفرص الشغل وبطالة الشباب والنساء والبنية التحتية وتضارب المصالح وقوانين الإثراء غير المشروع.
واعتبرت، في كلمتها، أن هذه القضايا تمثل أرضية ممكنة للتقارب بين الحزب وتحالف اليسار. بالنظر إلى ارتباطها بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية التي رفعتها الحركات الاحتجاجية في عدد من مناطق المغرب خلال السنوات الماضية. مستحضرة، في هذا السياق، احتجاجات الريف وجرادة وكلميم وفكيك ومناطق أخرى.
وأوضحت البوحسيني أن مطالب هذه الحركات تمحورت، في جانب أساسي منها، حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. معتبرة أن الأولويات التي عبر عنها المحتجون تتيح تحديد مجالات للعمل المشترك بعيدا عن القضايا المرجعية والإيديولوجية التي تظل، وفق المتحدثة، مصدرا للاختلاف بين الأحزاب.
التنسيق لا يعني تجاوز الاختلافات الإيديولوجية
وشددت البوحسيني على أن التنسيق بين حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار لا يستدعي التخلي عن الاختلافات المرجعية أو الفكرية. بل يقتضي مراعاة توقيت طرح القضايا وطبيعة المرحلة السياسية. والتمييز بين الملفات التي تتطلب زمنا طويلا وتلك التي يمكن تحقيق تقدم بشأنها في المدى المتوسط أو القريب.
وفي هذا الصدد، دعت إلى التمييز بين القضايا ذات الطبيعة العمودية، المرتبطة بالهوية والمرجعية والإيديولوجيا والفكر والفلسفة. والقضايا ذات الطبيعة الأفقية، التي تتصل بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
واعتبرت أن التنافس بين الأحزاب بشأن القضايا المرجعية يظل قائما. غير أن الظرفية الراهنة تفرض، في تقديرها، إعطاء الأولوية للملفات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تشكل مجالا للتوافق والعمل المشترك. دون إلغاء الاختلافات القائمة أو تجاهلها.
وأضافت أن السياسة لا تعني الاكتفاء بما هو قائم، وإنما البحث عما يمكن تحقيقه في ظل الأزمات والاحتقان وصعوبة الشروط السياسية. بهدف إحداث أثر، ولو محدودا، يمكن البناء عليه في مراحل لاحقة.
استقلالية القرار الحزبي
وربطت البوحسيني دعوتها إلى التنسيق بضرورة الحفاظ على استقلالية القرار الداخلي للأحزاب. معتبرة أن حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار يشتركان، في السعي إلى صون استقلالية قرارهما السياسي.
وفي المقابل، انتقدت ما وصفته بالأحزاب الأوليغارشية، والأحزاب التي اعتبرت أنها تؤدي أدوارا وظيفية لفائدة هذه المكونات. إلى جانب أحزاب أخرى قالت إنها التحقت بها بدافع اليأس من إمكانية المساهمة في تغيير الأوضاع ومحاولة إنقاذ وجودها السياسي.
ورأت أن القاسم المشترك بين هذه المكونات، وفق قراءتها للمشهد الحزبي، يتمثل في فقدان استقلالية القرار الداخلي. مقابل أحزاب لا تزال تقاوم للحفاظ على هذه الاستقلالية.
واعتبرت أن تشكل هذه الاصطفافات السياسية يفرض التفكير في الوسائل التي من شأنها منح الأحزاب التي تعبر، إلى حد ما، عن مصالح الفئات العريضة من المغاربة وزنا أكبر في ميزان القوى السياسي، بما يسمح لها بإسماع صوت المطالب الاجتماعية.
استعادة الثقة في المؤسسات رهان التنسيق
ولفتت البوحسيني إلى أن ضعف المشاركة الانتخابية، التي أشارت إلى بلوغها نحو 20 في المائة. يعكس، في قراءتها، أزمة تتجاوز عدم الرضا عن الأغلبية الحكومية أو نتائج الانتخابات إلى تراجع الثقة في المؤسسات والعمل السياسي.
وشددت على أن استعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي والمؤسساتي والانتخابي ينبغي أن تكون ضمن الأهداف الأساسية لأي تنسيق بين الأحزاب التي تحافظ على استقلالية قرارها. من خلال الاشتغال على الملفات التي تهم المواطنين والاستجابة لأولوياتهم.
وفي هذا الإطار، دعت إلى ترتيب الأولويات وفق ميزان القوى السياسي القائم. معتبرة أن تكتل المكونات التي وصفتها بالأوليغارشية يفرض على الأحزاب الأخرى البحث عن صيغ للتنسيق تسمح لها بتعزيز حضورها والتأثير في النقاش العمومي.
وشددت البوحسيني على أن المغرب يحتاج إلى تنسيق بين الأحزاب التي تحافظ على استقلالية قرارها. أساسا لخدمة مصالح المواطنين. مع مراعاة خصوصية المرحلة الراهنة وما تفرضه من تحديات. معتبرة أن عدم استثمار هذه اللحظة قد يؤدي إلى تفويت فرصة لإحداث تقدم في الملفات الاجتماعية والاقتصادية واستعادة الثقة في المؤسسات.








