اعتبر مصطفى اليحياوي، الباحث في الجغرافيا السياسية، أن التصويت العقابي الذي طبع الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تركز أيضا في المجالات القروية والمدن الصغرى. وليس فقط في المدن المتوسطة والكبيرة كما قد توحي بعض القراءات. مستندا إلى معطيات رقمية أظهرت تراجع أصوات حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة في هذه المجالات. مقابل ارتفاع أصوات حزب العدالة والتنمية.
وأوضح اليحياوي، في كلمة له خلال ندوة حول الانتخابات التشريعية التي نظمها الحزب الاشتراكي الموحد بالرباط، أمس الخميس. أن التجمع الوطني للأحرار فقد أكثر من 680 ألف صوت في المجالات التي يقل عدد سكانها عن 50 ألف نسمة. بينما خسر حزب الأصالة والمعاصرة أكثر من 200 ألف صوت من أصل نحو 300 ألف صوت فقدها خلال الانتخابات الأخيرة. وفي المقابل، سجل حزب العدالة والتنمية ارتفاعا في رصيده الانتخابي بهذه المجالات بأكثر من 200 ألف صوت.
واعتبر المتحدث أن هذه المؤشرات تؤكد حضور التصويت العقابي في المجالات القروية والمدن الصغرى. محذرا من اختزال تفسير النتائج الانتخابية في تأثير المال الانتخابي أو استمرار نفوذ الأعيان والقبيلة، رغم إقراره بوجود هذه العوامل. وشدد على ضرورة استحضار التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، والتي أعادت تشكيل العلاقة بين الناخبين والفاعلين السياسيين. داعيا إلى تجاوز القراءات التي تتعامل مع المجال القروي باعتباره فضاء ثابتا تحكمه الآليات التقليدية نفسها.
وفي هذا السياق، استشهد اليحياوي بمعطيات حول الجمعيات في المغرب. أشار فيها إلى أن 67 في المائة منها تنتمي إلى مجال القرب الاجتماعي. معتبرا أن هذه البنية تعكس تحولات في أشكال التنظيم المحلي والمشاركة المدنية. كما استحضر بحثا أنجزه حول 537 جماعة ترابية. خلص من خلاله إلى أن صورة المنتخب المحلي لم تعد مطابقة بالضرورة للتصور التقليدي المرتبط بالأعيان.
وأضاف أن جزءا من المنتخبين المحليين الشباب تلقوا تكوينهم في الجامعة، قبل أن يعودوا إلى مناطقهم الأصلية وينخرطوا في تدبير الشأن المحلي. مبرزا أن هذه الفئة تمثل تحولا ينبغي على الأحزاب، ولا سيما قوى اليسار، الانتباه إليه ومواكبته بالتأطير السياسي والفكري. وتساءل في هذا الصدد عما إذا كان اليسار قد تابع المسارات التي سلكها هؤلاء الشباب بعد مغادرتهم الجامعة. مستحضرا تجربته الشخصية داخل الجامعة وملاحظاته بشأن تطور الطموحات المدنية في المناطق المحلية.
الشباب مسيسون دون تأطير إيديولوجي
ومن جانب آخر، ربط اليحياوي بين ضعف الثقة في الأحزاب السياسية وتنامي أشكال جديدة من التعبير السياسي لدى الشباب. معتبرا أن هذا الجيل مسيس، لكنه غير مؤدلج. وأن تحركاته تنطلق أساسا من فكرة المواطنة والحق في المشاركة. وليس من الانتماء إلى مشروع إيديولوجي أو السعي إلى الوصول إلى السلطة.
واستند في ذلك إلى أبحاث حول منظومة القيم لدى الشباب، من بينها دراسات المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، التي تناولت تراجع الثقة في الأحزاب السياسية. وأوضح أن فهم مواقف الشباب يقتضي استحضار مفهوم “الأمن الإنساني”. الذي لا يقتصر على الأمان بمعناه العام، بل يشمل شعور الفرد بأنه يعيش في وضع آمن.
وحسب اليحياوي، فإن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، خصوصا خلال العقد الذي أعقب دستور 2011. أسهمت في ترسيخ الوعي بالحقوق الدستورية والحقوقية. وجعلت ممارسة المواطنة تتجاوز حدود المشاركة في الانتخابات. واعتبر أن الزمن الانتخابي لم يعد كافيا لاستيعاب تطلعات الشباب إلى المشاركة، الذين باتوا يبحثون عن قنوات أخرى للتعبير عن مواقفهم ومطالبهم.
وأشار إلى أن التنظيمات المرنة للحركات الاحتجاجية شكلت إحدى هذه القنوات. موضحا أن الشباب الذين شاركوا في احتجاجات مختلفة لم يكونوا بالضرورة بصدد البحث عن قيادة سياسية أو حزبية. بقدر ما سعوا إلى إيصال أصواتهم والتعبير عن رفضهم لأوضاع معينة، بعيدا عن تحويل حركاتهم إلى امتداد لتنظيمات قائمة.
واستحضر في هذا الإطار حركات احتجاجية عرفتها مناطق مغربية، من بينها الحسيمة وجرادة وزاكورة. معتبرا أن تطور الاحتجاج من مجرد التعبير عن المطالب إلى التنديد بالأوضاع وكشف الاختلالات يمثل تحولا مهما في فهم أشكال المشاركة السياسية لدى الشباب.
وأضاف أن احتجاجات “جيل زد” عكست هذا المنحى. إذ لم يكن هدفها، حسب قراءته، الاستيلاء على السلطة أو خوض منافسة مباشرة عليها. وإنما التنديد بأوضاع معينة وإيصال صوت احتجاجي يعبر عن مطالب وتطلعات لا تجد بالضرورة طريقها إلى قنوات الوساطة السياسية التقليدية.
المشاركة الانتخابية تعود إلى أزمة ممتدة
وبعيدا عن تفسير النتائج الانتخابية وحدها، دعا اليحياوي إلى قراءة خريطة المشاركة باعتبارها مؤشرا على أزمة ممتدة في النظام الانتخابي المغربي. مشيرا إلى أن المقارنة بين انتخابات 2007 وانتخابات 2026 أظهرت استمرار مستويات متقاربة من المشاركة الضعيفة في عدد من الدوائر الانتخابية.
وأوضح أن عدد الدوائر التي تراوحت فيها نسبة المشاركة بين 20 و30 في المائة ارتفع من 19 دائرة سنة 2007 إلى 22 دائرة سنة 2026. فيما تراجع عدد الدوائر التي سجلت مشاركة بين 30 و40 في المائة من 26 إلى 25 دائرة. وبين 40 و50 في المائة من 32 إلى 28 دائرة.
وفي المقابل، ارتفع عدد الدوائر التي تراوحت فيها المشاركة بين 50 و60 في المائة من تسع دوائر إلى عشر. بينما انتقل عدد الدوائر التي تجاوزت فيها المشاركة 60 في المائة من أربع إلى سبع دوائر. وهو ما ربطه المتحدث جزئيا باختلاف عدد الدوائر الانتخابية بين المحطتين.
وخلص اليحياوي إلى أن هذه الأرقام تعكس استمرار ما وصفه بـ”خريطة الأزمة” معتبرا أن نحو عقدين من الإصلاحات الانتخابية لم ينجحا في تجاوز الإشكال المرتبط بضعف المشاركة. وهو ما يستدعي مساءلة مختلف الفاعلين في النظام السياسي، وليس الدولة وحدها.
فقدان مليون و800 ألف تسجيل انتخابي
ومن بين المؤشرات التي دعا اليحياوي إلى التوقف عندها. تراجع التسجيل في اللوائح الانتخابية لدى الفئة العمرية الشابة. مشيرا إلى أن المغرب فقد، وفق المعطيات التي عرضها، نحو مليون و800 ألف من المسجلين الجدد المحتملين ضمن الفئة التي تحدث عنها. من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة.
واعتبر أن هذا المعطى يطرح سؤالا محوريا بشأن مسؤولية مختلف الفاعلين السياسيين في ضمان تجديد اللوائح الانتخابية وتوسيع قاعدة المشاركة. مشيرا إلى أنه سبق أن نبه إلى هذا الإشكال في مقال نشره في 12 يوليوز. دعا فيه الأحزاب إلى الانتباه إلى تعثر تسجيل الناخبين الجدد خلال الفترة الاستثنائية المخصصة لذلك.
وشدد على أن النقاش حول العزوف الانتخابي لا ينبغي أن ينحصر في النتائج النهائية أو نسب المشاركة المعلنة. بل يجب أن يمتد إلى المراحل السابقة للاقتراع. وفي مقدمتها شروط التسجيل وإمكانية إدماج الأجيال الجديدة في العملية الانتخابية.
العدالة والتنمية والتصويت النضالي
وفي معرض تفسيره أداء حزب العدالة والتنمية، رفض اليحياوي اختزال عودته الانتخابية في استعادة آليات التعبئة التي اعتمدها خلال الانتخابات. معتبرا أن الحزب استفاد أساسا من التصويت النضالي، دون أن يستفيد بالقدر نفسه من التصويت المفيد. وفق المفهوم المتداول في الأدبيات السياسية الفرنسية.
واعتبر أن عودة الحزب إلى حجمه الانتخابي السابق لا يمكن تفسيرها فقط بقدرته التنظيمية أو بخطابه الانتخابي. مستحضرا بلاغ حركة التوحيد والإصلاح الصادر في 5 شتنبر باعتباره أحد العوامل التي أشار إليها في سياق تحليل هذا التحول.
وأكد اليحياوي أن فهم النتائج الانتخابية لسنة 2026 يقتضي الجمع بين المؤشرات الرقمية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفها المغرب. بدل الاكتفاء بالتفسيرات التقليدية المرتبطة بالمال الانتخابي أو الولاءات المحلية. مشيرا إلى استعداده لتقاسم قواعد البيانات الرقمية التي يتوفر عليها، والممتدة من سنة 2002 إلى سنة 2026. مع الباحثين والفاعلين المهتمين، بما يتيح قراءة أعمق للخريطة الانتخابية المغربية.


