بقلم: عبد الرحيم التوراني
لا تخرج الأحزاب التي يطبخها المخزن في أنابيب مختبراته السياسية إلى الوجود لمجرد تأثيث المشهد، بل لنفخ الروح فيها بعناية بغرض الهيمنة التامة على المجالس والبرلمان وقيادة الحكومات على المقاس. وتاريخ التجربة السياسية يمتد منذ نشأة جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) سنة 1963 على يد أحمد رضا كديرة، مرورا بالتناوبات والتخبطات الدستورية والحكومات التكنوقراطية (باحنيني، بنهيمة، العراقي، العمراني، عصمان، بوعبيد، الفيلالي، اليوسفي، جطو، الفاسي، بنكيران، العثماني، أخنوش، وصولا إلى السيدة المنصوري).
تخلق أحزاب الإدارة لتكون دائما في الصدارة أو كديكور أساسي في التحالفات، وحين يفرض عليها الاصطفاف في المعارضة لا يحدث ذلك بقواعد ديمقراطية، بل بتوجيهات فوقية كما حدث مع أحمد عصمان سنة 1981 حين كلف بتأدية دور المعارضة تجسيدا لمقولة الملك الحسن الثاني: “إذا لم تكن هناك معارضة… فسنعمل على خلقها”.
يجيء صعود “الثلاثي المرح” (التراكتور والحمامة مع الميزان)، ضدا على الإرادة الشعبية الحقيقية، فالأغلبية الساحقة اختارت مقاطعة الانتخابات، بينما تعاد صياغة أصوات القلة عبر آليات الطبخة الإدارية، وهو ما تفضحه احتجاجات عدد من الدوائر المحلية، كما جرى في طنجة وجرادة وآيت بوكماز، رفضا لنتائج لا تعكس الواقع.
إن استبدال الصناديق الخشبية بأخرى زجاجية لم يمنح العملية شفافية ديمقراطية، بل بقيت مجرد لعبة هشّة تتناثر شظاياها أمام رصاص التزوير والإعداد القبلي للنتائج. وحين تعلن وزارة الداخلية أرقامها، تتحول النتائج المطعون فيها شعبيا إلى واقع فرضته السلطة، لتنطلق تحليلات مبنية على زهايمر سياسي يتناسى زيف المخرجات.
يجب ألا ننسى أن ظهور “الكتلة الديمقراطية” في ربيع 1992 – التي أعلنت عنها أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الشعبي والاتحاد الوطني- تأسست على دعامات الإصلاح الدستوري العميق والعدالة الاجتماعية والنضال الجماهيري. واليوم يعدّ ادعاء الأحزاب المتبقية (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية) تمثيل الكتلة توظيفا صوريا مناقضا لروح الوثيقة، فمن مناهضة الفساد إلى التطبيع مع الريع، إذ تحول الخطاب من مطالبة بالقطيعة مع الفساد إلى الاندماج في حكومة الترويكا ورعاية هيمنة المال على السياسة.
ومن رفض التزوير إلى تزكية الخرائط، بالتعاطي مع النتائج المطبوخة مسبقا وكأنها تعبير عن ديمقراطية حقيقية وشيطنة الاحتجاجات والعزوف.
هكذا تحولت الكتلة من إطار جماهيري إلى يافطة بلاغية وتكتل للمحاصصة المقاعدية، وسط الخضوع للخيارات الليبرالية وتدمير الخدمات العمومية.
أما تسويق حزب الأصالة والمعاصرة (البام) كحزب ينهل من الديمقراطية الاجتماعية، فهو تضليل مكشوف يصطدم بواقع تشكيله الإداري الفوقي. فالواقع يؤكد أنه جزء من عملة واحدة متعددة الأوجه نبتت في أنابيب الاختبار الرسمية لضبط المشهد. وسرعان ما تحول الحزب إلى مظلة لرعاة الفساد والاتجار الدولي في المخدرات، ناهيك عن التموقع الجيوسياسي المثير للجدل، والتطبيع المتزايد وسط الترحيب الإسرائيلي بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري.
كما تحاصر الشبهات القيادات المسيرة، فاطمة الزهراء المنصوري وزوجها نبيل البركة، شبهات فساد واختلالات بشان مسارهما التدبيري.
وتحاصر أحمد أخشيشين ملفات الاختلاس وسوء التدبير المرتبطة بفضائح “البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم”.
أما عبد اللطيف وهبي فيواجه باحتقان حقوقي وسياسي جراء تصريحاته وتعديلاته في مدونة الأسرة وقانون المحاماة.
لذلك فإن تواجد أخشيشين ووهبي في “اللجنة الثلاثية” لقيادة الحزب والتشكيل الحكومي يطرح سؤالا حول الأفق المنتظر من حكومة تطبخ بأيدي قيادات ينفر منها الشارع.
لا جدال أن البام يسعى لاستجداء شرعية مفقودة عبر بقايا أحزاب الكتلة، وقيادات كإدريس لشكر الذي أفرغ الاتحاد الاشتراكي من مضمونه النضالي ولم تبق منه سوى يافطات مهجورة.
إن المنظومة تمارس تلاعبا مزدوجا.. سطوٌ على صناديق المال العام بالريع والفساد، وتجويف لصناديق الاقتراع بالتزوير.
على هذا النسق لم يكن مصطلح “المسلسل الديمقراطي” سوى تعبير عن جذره الواقعي: التسلسل وسلاسل التضييق والقمع التي تطوق أعناق التواقين للتغيير، ليتحول الوعد الانتقالي إلى قيد ممتد لتأبيد الهيمنة السلطوية.


