ثمة مسارات سياسية لا يمكن قراءتها من نهاياتها وحدها، وحسن طارق واحد من هؤلاء الذين يصعب اختزال تجربتهم في منصب بعينه؛ فقد بدأ من الجامعة، حيث تشكل وعيه السياسي في أجواء النضال الطلابي، ومر من التنظيم الشبيبي والحزبي ثم البرلماني، حيث تقلد مناصب قيادية في الاتحاد الاشتراكي، قبل أن ينتقل إلى الدبلوماسية، كسفير للمغرب بتونس، بعدها أصبح وسيطا للمملكة، وصولا إلى تعيينه، اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، أمينا عاما للحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري.
في هذا المسار، لا يتعلق الأمر بيساري سابق انتهى به المطاف في الإدارة، ولا بأستاذ جامعي غادر الكتب إلى دهاليز السلطة، بقدر ما يتعلق برجل ظل يتنقل بين مواقع مختلفة، فيما بقيت الدولة، بدستورها ومؤسساتها وتحولاتها، موضوعا مركزيا في اهتمامه. حيث أصبح صاحب المؤلفات التي تفكك العلاقة بين الدستور والديمقراطية، وتقرأ تحولات اليسار والربيع العربي، في موقع يضعه في قلب الآلة القانونية والتنظيمية للعمل الحكومي.
ومن هنا لا بد من العودة إلى البدايات، إلى زمن لم يكن فيه حسن طارق قد صار أستاذا جامعيا أو نائبا برلمانيا أو سفيرا، بل كان شابا يجد في السياسة أكثر من مجرد انتماء حزبي، ويرى في الجامعة فضاء لتكوين الموقف وللنضال من داخل صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
ولد حسن طارق سنة 1974 بمدينة البهاليل، وانخرط مبكرا في الحركة الطلابية، قبل أن يلتحق سنة 1992 بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. في تلك المرحلة، لم تكن الجامعة بالنسبة إلى جيل من الشباب المغربي مكانا لتحصيل المعرفة وحدها، بل فضاء تتشكل فيه التصورات حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتتصادم داخله الأسئلة الفكرية مع اختيارات الدولة والحزب والمجتمع.
ومن رحم هذا المناخ، تشكلت ملامح حسن طارق بوصفه واحدا من الأصوات التي سعت إلى تجديد الخطاب اليساري من الداخل. تدرج في الشبيبة الاتحادية، التي تولى كتابتها العامة، قبل أن يصل إلى اللجنة الإدارية داخل الحزب، وصولا إلى مكتبه السياسي. ولم يكن انشغاله محصورا في التنظيم الحزبي، بل امتد إلى مساءلة تجربة اليسار المغربي، وحدود التناوب التوافقي، وما إذا كان الإصلاح المؤسساتي قادرا على الاستجابة لتطلعات التغيير التي حملتها أجيال من المناضلين.
في مكتبة حسن طارق، تبدو السياسة محاولة مستمرة لفهم ما يحدث خلف الوقائع. ففي رصيده مؤلفات متعددة تتناول قضايا السياسة واليسار والديمقراطية والدستور، من بينها “اليسار وأسئلة التحول” الصادر سنة 2006، و”الشباب السياسة والانتقال الديمقراطي”، الصادر سنة 2007.
لكن المحطة التي كشفت بوضوح عن هذا الاشتغال كانت مرحلة الربيع العربي. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تعيش تحولات أربكت أنظمتها السياسية وأعادت فتح النقاش حول الدستور والثورة والشرعية، اختار طارق أن يقرأ تلك الأحداث من زاوية العلاقة بين الانفجار السياسي وإعادة بناء المؤسسات.
وبرز ذلك جليا في كتابه “الربيع العربي والدستورانية: قراءة في تجارب المغرب، تونس ومصر”، الصادر سنة 2015. حيث توج هذا العمل بجائزة المغرب للكتاب في صنف العلوم الاجتماعية، فيما حصل بحثه “المثقف والثورة: الجدل الملتبس” على الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية خلال دورة 2014-2015.
ولم ينقطع حضور حسن طارق مع مرور السنوات، بل اتخذ موضوعات جديدة، من حقوق الإنسان والديمقراطية إلى الوطنية المغربية وتحولات الهوية، وصولا إلى كتابه الصادر سنة 2025، “ما الذي تركته المشاعر للسياسة: مقال في القبائل الحزينة”.
غير أن طارق لم يكتف بالكتابة عن المؤسسات من مسافة الباحث. ففي سنة 2011، انتقل إلى مجلس النواب نائبا عن اللائحة الوطنية للشباب باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. هناك، داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، وجد نفسه أمام النقاشات المتعلقة باستقلال القضاء والحقوق والحريات وتفعيل دستور 2011.
وكانت تجربته البرلمانية، الممتدة إلى سنة 2016، فرصة للانتقال من تحليل القواعد إلى الاحتكاك بإنتاجها وتأويلها. وهي محطة تكتسب أهميتها من كونها وضعت الباحث في القانون العام داخل المؤسسة التشريعية، حيث لا يكفي أن يكون النص متماسكا من الناحية القانونية، بل يتعين أن يجد طريقه وسط التوازنات السياسية والإكراهات العملية.
ثم جاءت الجامعة مرة أخرى، لكن من موقع مختلف. بعد أن مر طارق في مساره بالتدريس والبحث، وتولى رئاسة شعبة القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط بين 2017 و2019، بعد سنوات من العمل الأكاديمي بجامعة الحسن الأول بسطات. وبالتوازي مع ذلك، واصل الاشتغال داخل الجمعيات العلمية والبحثية، وترأس الجمعية المغربية للعلوم السياسية، وأسهم في إدارة المجلة المغربية للسياسات العمومية.
في فبراير 2019، غادر طارق فضاء الجامعة متجها إلى تونس، بعد تعيينه سفيرا للملك محمد السادس. امتدت مهمته الدبلوماسية إلى مارس 2025، وشكلت محطة مختلفة في مسار رجل ارتبط اسمه طويلا بالقانون والسياسة الداخلية.
لكن طارق لم يدخل العمل الدبلوماسي مجردا من اهتماماته الفكرية والثقافية. فقد حمل معه انشغالا بالمشترك المغربي التونسي، ظهر في عدد من المبادرات والمنشورات التي أشرف عليها خلال فترة عمله، من بينها “غبطة الجوار: شهادات متقاطعة لمثقفين من المغرب وتونس”، و”طريق المحبة.. وشائج التصوف بين المغرب وتونس”، و”المغرب وتونس.. مشترك الثقافة والتاريخ”.
وبعد ست سنوات، عاد إلى المغرب ليتولى مؤسسة وسيط المملكة، عقب تعيينه في مارس 2025. ومن موقعه الجديد، انضم طارق أيضا إلى فضاءات دولية للوساطة، من خلال مسؤولياته في جمعية الأمبودسمان والوسطاء الفرانكفونيين، وجمعية أمبودسمانات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.
اليوم، يتولى حسن طارق مسؤولية الأمانة العامة للحكومة، وهي العين واليد القانونية للحكومة، من الإشراف على إعداد ومراجعة مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية (القوانين والمراسيم) وتنسيقها بين مختلف القطاعات الوزارية، إلى مراقبة مطابقة النصوص للدستور وللترسانة القانونية الجاري بها العمل، وترجمتها، وتجهيزها لنشرها.


