بقلم: د. أشرف بولمقوس
لا يكاد يمرّ بلاغ حكومي أو بيان حزبي أو توجيه رسمي دون أن نصادف فيه كلمة «بلورة». نسمع عن «بلورة رؤية» و«بلورة مشروع مجتمعي» و«بلورة سياسات عمومية» و«بلورة توافقات»، حتى صارت من أكثر مفردات الخطاب السياسي رواجاً وأقلها مساءلة. ولعل المغاربة، أكثر من غيرهم، خبروا هذه الكلمة عن قرب، فهي حاضرة في بلاغات المجالس الحكومية، وفي افتتاحيات الأحزاب، وفي مذكرات الإدارات، وفي ندوات «الحوار» و«التشاور» التي لا تنتهي. وهذا بالذات ما يستدعي التوقف عندها: ماذا نقصد بها حين نقولها؟ وهل تخدم وضوح الفكرة أم تؤجل الحسم؟
أصل الكلمة «البِلَّور» أو «البَلُّور»، وهو الجوهر الصافي الشفاف الذي ذكرته معاجم العربية القديمة، ويُرجَّح أنه من الألفاظ المعرَّبة عن أصل أجنبي. ومنه اشتُق في العصر الحديث الفعل «بلَّور» ومصدره «بلورة»، متأثراً بالمقابل الأجنبي (cristalliser) الذي يصف في الكيمياء والفيزياء انتقال مادة من حال السيولة والتشتت إلى بنية منتظمة متماسكة. وليس غريباً على المغاربة هذا الجذر، فهو حاضر في دارجتهم أيضاً، إذ يُقال عندنا «البلّار» للزجاج البلّوري الذي يزيّن صواني الشاي وموائد الأعراس، وفيه معنى الصفاء واللمعان والشفافية. ثم انتقلت الكلمة مجازاً إلى عالم الأفكار، فصارت بلورة الفكرة تعني نقلها من الغموض إلى الوضوح، ومن التشتت إلى التماسك. استعارة جميلة، لكنها، كأي استعارة، تقول شيئاً وتسكت عن أشياء.
فالتبلور في الطبيعة ليس قراراً يتخذه أحد، بل عملية تحدث من تلقاء نفسها متى توافرت شروطها: تشبّع المحلول، ووجود نواة، وزمن كافٍ، وهدوء نسبي. وحين يستعير السياسي هذه الصورة، فإنه يوحي، عن قصد أو دون قصد، بأن الأمر مسار طبيعي لا دخل لإرادة فيه، بينما السياسة في جوهرها اختيارات وتفضيلات وموازين قوى، وكل اختيار فيها رابح وخاسر. والاستعارة تسكت كذلك عن أن البلّور صلب هشّ لا يقبل المراجعة إلا بالكسر، وكم من تصور سياسي «تبلور» فصار جامداً عاجزاً عن التكيف مع متغيرات الواقع. ثم إن البلّور، وهنا المفارقة الأخيرة، يحتاج إلى «الزمن»، والزمن بالضبط هو ما لا يحدده من يستعمل الكلمة.
وفي السياق المغربي تكتسب الكلمة حمولة خاصة. فنحن بلد اعتاد فيه الخطاب العمومي أن يتحدث بلغة الأوراش الكبرى والاستراتيجيات القطاعية وخرائط الطريق، وهي كلها مشاريع تمرّ، في صياغتها الرسمية، بمرحلة «البلورة» قبل أن تصل إلى مرحلة التنفيذ. تُحدَّد «التوجهات»، ثم تُشكَّل اللجان، ثم تُعقد اللقاءات التشاورية، ثم تُبلوَر «الخلاصات»، ثم تُرفع «التوصيات»، ثم تُبلوَر «خطة العمل»، ثم تُبلوَر «آليات التتبع». وبين كل بلورة وأخرى يمرّ الوقت، ويظل المواطن ينتظر أثراً ملموساً في مدرسته أو مستشفاه أو حيّه. وقد زادت الحمّى قبيل المحطات الانتخابية، حين تتسابق الأحزاب إلى الحديث عن «بلورة برامجها» و«بلورة تصوراتها» و«بلورة تحالفاتها»، وكأن البرنامج السياسي كريستال لا يُصنع إلا في الظلام ولا يُكشف إلا في اللحظة الأخيرة.
ولسنا هنا نحاكم الكلمة في ذاتها، فهي صحيحة لغوياً، ولها مواضع تليق بها، حين يتعلق الأمر فعلاً بتحوّل أفكار متفرقة إلى تصور متماسك بعد نقاش ومراجعة حقيقيين. لكن الإشكال في طريقة الاستعمال: فهي تُساق في الغالب بصيغة المبني للمجهول، «تجري بلورة…» و«ستتم بلورة…». ومن يبلور؟ ومتى؟ وبأي معايير؟ وما الأجل؟ أسئلة تضيع كلها في ضباب الصياغة. وبذلك تؤدي الكلمة وظيفة مزدوجة: تُظهر الحركة والاشتغال، وتُخفي المسؤولية والجدول الزمني. وحين تُطلق في البلاغات والبرامج دون موضوع محدد، تغدو حلية لفظية تضفي طابعاً «تقنياً» على خطاب لا يتضمن التزامات قابلة للقياس.
ولأن المغاربة شعب يعرف كيف يردّ على اللغة الخشبية بالنكتة، لم تنجُ الكلمة من سخرية الفضاء الرقمي. ففي فيسبوك وإكس وإنستغرام وتيك توك، حيث يتحول كل مصطلح رسمي متكرر إلى مادة للتندر، انتقلت «البلورة» من قاعات الندوات إلى التعليقات الساخرة والميمات. وصار التعليق التقليدي على أي مبادرة رسمية موعودة أن يقول أحدهم: «غادي يبلورو ليها»، أو «ما زال ما تبلورات»، أو «حتى تتبلور الأمور»، بمعنى أن الأمر لن يصل أبداً. وتخيّل مثلاً تعليقاً من هذا القبيل أسفل خبر عن مشروع متعثر: «المشروع تأخر؟ ماشي تأخر، غير باقي كيتبلور». أو ميمة تُظهر قطعة بلّور في صالون مغربي وتحتها عبارة: «هادي أول مرة نشوف شي حاجة تبلورات بصح». وهكذا يتحول المصطلح الرسمي إلى مرادف شعبي للتسويف، ويصبح «التبلور» عند الناس نقيض الإنجاز، وكأن كل ما يُعلن أنه «في طور البلورة» محكوم عليه بالبقاء في ثلاجة الانتظار.
وهذه السخرية ليست عبثاً ولا تسلية فحسب، بل هي شكل من أشكال النقد السياسي الشعبي. فحين يسخر الناس من كلمة، فهم في الحقيقة يسخرون من المسافة بين ما يُقال وما يُنجز. وهم يلتقطون بحدس لغوي دقيق ما يحتاج المحللون إلى صفحات لشرحه: أن الكلمة صارت علامة على الخطاب الذي يَعِد ولا يَلتزم. ولعل في ذلك درساً لمن يصوغون البلاغات: فالمواطن الذي يملك هاتفاً وحساباً وروح الدعابة لا يُخدع بحلية لفظية، ولا يحتاج إلى معجم أكاديمي ليعرف أن «قيد البلورة» تعني غالباً «لا تنتظروا قريباً».
ولا ندعو إلى هجر الكلمة، بل إلى إنقاذها من نفسها. وذلك بأن يقترن استعمالها بما يمنحها مضموناً: أن يُسمّى الفاعل، فنعرف إن كانت لجنة أو حكومة أو حزباً أو هيئة؛ وأن يُحدَّد المخرَج، أهو وثيقة أم قانون أم برنامج عمل؛ وأن يُضبط الأجل فلا تبقى العملية مفتوحة بلا نهاية. وحيث يكفي «صياغة» أو «إعداد» أو «تحديد» أو «تدقيق»، فهي أصدق وأقرب إلى الفعل، وأبعد عن شبهة التسويف.
فاللغة السياسية مرآة للممارسة السياسية، وكلما اتسعت المسافة بين الكلمة الأنيقة والفعل الملموس، تآكلت ثقة الناس في الخطاب وصار الرد الساخر هو لغتهم الأخيرة. ولعل أفضل ما يمكن أن يُفعل بـ«البلورة» أن نعيدها إلى معناها الأصيل: صفاء ووضوح وشفافية. فيكون التزاماً بأن تبدو الأفكار والقرارات واضحة للمواطن كما يبدو البلّور واضحاً للناظر، لا ستاراً زجاجياً يحجب أكثر مما يكشف، ولا نكتة جاهزة تنتظر من يرويها.


