يراهن البرنامج الحكومي على تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي في حدود 5 في المائة، وإحداث ما يقارب مليون فرصة شغل، مع خفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031، في محاولة لربط الانتعاش الاقتصادي بتحسين القدرة الشرائية وتوسيع الإدماج الاجتماعي. غير أن هذه الأهداف، بحسب المحلل الاقتصادي أمين سامي، تطرح سؤالا حول قدرة النمو المرتقب على إنتاج وظائف مستقرة وتحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين.
وقال سامي، ضمن تصريح لجريدة “سفيركم”، إن “هذه المرحلة تمثل انتقالا من تعبئة الاستثمارات وإطلاق الإصلاحات إلى قياس مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية والترابية”، مضيفا أن “أهمية البرنامج تكمن في إدراك العلاقة بين قوة الاقتصاد المنتج وخلق فرص الشغل وتحسين القدرة الشرائية وتمويل الدولة الاجتماعية وتعزيز السيادة الاستراتيجية”.
وتعهد البرنامج الحكومي، وفق الوثيقة التي صادق عليها المجلس الحكومي يوم أمس الثلاثاء 20 أكتوبر الجاري، بإحداث ما يقارب مليون منصب شغل خلال الولاية، موزعة بين 250 ألف منصب صاف في الصناعة، و80 ألف فلاح شاب مقيم، و40 ألف منصب في المجال الرياضي، و270 ألف منصب في الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، إلى جانب 360 ألف منصب في إطار تنظيم كأس العالم 2030 والأنشطة الإنتاجية والخدماتية المواكبة له.
واعتبر سامي أن “هذا الهدف يكتسي أهمية خاصة، لكنه يحتاج إلى تدقيق إحصائي يميز بين الوظائف الصافية والمستدامة، وبين فرص التشغيل المؤقتة أو المرتبطة بالإدماج والتكوين”. موضحا أن “الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد المناصب المعلن عنها، وإنما بطبيعة هذه الوظائف وقدرتها على توفير دخل مستقر وشروط عمل لائقة”.
وفي ما يتعلق بالنمو الاقتصادي، يتطلع البرنامج إلى تحقيق معدل سنوي متوسط يبلغ 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، مقابل نحو 3,7 في المائة خلال الفترة 2022-2025. ويرى سامي أن “الاختبار الحقيقي لهذا البرنامج لا يكمن في الإعلان عن تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي بنسبة 5% أو فرص شغل، وإنما في طبيعة هذا النمو وقدرته على توليد قيمة مضافة وطنية ووظائف مستقرة ودخول حقيقية، وفي مدى توزيع مكاسبه بين مختلف الفئات والجهات”.
ويضع البرنامج الحكومي أيضا رفع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء إلى 21,2 في المائة ضمن أهدافه، مع توقع انخفاض معدل البطالة إلى 7 في المائة سنة 2031. وفي هذا السياق، شدد سامي على “ضرورة ربط سياسات الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية والتنمية الترابية، مع إعطاء الأولوية للانتقال من التعليم والتكوين إلى سوق الشغل، وتشجيع المقاولات الصغرى جدا وريادة الأعمال، وتعزيز مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي”.
وعلى مستوى العدالة الترابية، يتضمن البرنامج رفع الموارد الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من سنة 2027. غير أن سامي يرى أن “هذا التوجه لن يحقق العدالة المجالية تلقائيا، ما لم يصاحبه نقل فعلي للاختصاصات، وتحسين القدرة على التنفيذ، وربط الاستثمارات بإنتاج الثروة وفرص الشغل وجودة الخدمات”.
أما في الجانب الاجتماعي، فيراهن البرنامج على توسيع الحماية الصحية، وتحسين المعاشات، وتعزيز الدعم الاجتماعي، وهي التزامات يعتبرها أمين سامي مهمة، لكنها تستوجب تأمين موارد مالية مستدامة وضمان استفادة المواطنين منها بشكل فعلي. وقال سامي إن “الحق الاجتماعي لا يكتمل بمجرد التسجيل أو الإعلان عن الدعم، بل بجودة الخدمة وقدرة المواطن على الولوج إليها”.
وبالنسبة إلى تمويل هذه الالتزامات، أبرز سامي أن “التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من نموذج يعتمد على زيادة الاستثمار والمدخلات إلى نموذج يقوم على رفع الإنتاجية وتطوير الموردين المحليين ونقل التكنولوجيا وتحسين القيمة المضافة، مع إدماج القيود المائية والطاقية والمناخية في القرارات الاستثمارية”.
ونبه أمين سامي إلى أن “السنوات الخمس المقبلة ستكون اختبارا لقدرة الحكومة على تجاوز التدبير القطاعي المجزأ نحو تدبير نسقي وتكاملي، يسمح بمساءلة كل قطاع وكل جهة عن أثر الموارد التي تعبئها”. مؤكدا أن “النجاح الحقيقي لن يكون في حجم الأموال المصروفة أو عدد المشاريع المعلنة، وإنما في قدرة المغرب على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتشغيلا وإدماجا، ودولة اجتماعية أكثر جودة واستدامة، ومجالات ترابية أكثر قدرة على خلق الثروة وتحقيق تكافؤ الفرص”.


