حذر عبد الرزاق الشابي، رئيس جمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، من استمرار الضغوط على أسعار الخضر بالمغرب، متوقعا أن يتجاوز سعر البصل 15 درهما للكيلوغرام الواحد خلال شهر ونصف إلى شهرين، في حال استمرار الظروف الحالية، معتبرا أن معالجة الغلاء تتطلب حلولا جذرية تشمل تدبير الإنتاج والتصدير ومراقبة الأسواق.
وأوضح الشابي، في تصريح لصحيفة “سفيركم” الإلكترونية، أن ارتفاع أسعار الخضر يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها المرحلة الانتقالية بين المواسم الفلاحية، التي تشهدها الأسواق عادة خلال أواخر شهر شتنبر وبداية أكتوبر، حيث يتراجع تموين بعض الأسواق من مناطق الإنتاج التي كانت تضطلع بدور رئيسي في توفير الخضر.
وأشار المتحدث إلى أن منطقة سوس تشكل، خلال جزء مهم من السنة،المزود الرئيسي لأسواق الجملة والأسواق المحلية بعدد من أنواع الخضر، من بينها الطماطم والفلفل والجزر وغيرها من المنتجات الفلاحية، قبل أن تنتقل مسؤولية سد الخصاص إلى مناطق إنتاج أخرى.
وأضاف الشابي أن مناطق فلاحية أخرى، من بينها المناطق التابعة لمندينة الدار البيضاء، ونواحي المحمدية ، وصولا إلى المناطق الممتدة بين الجديدة وآسفي، تساهم في تموين سوق الدار البيضاء خلال هذه المرحلة.
غير أن المصدر اعتبر أن الخضر القادمة من بعض هذه المناطق تكون جودتها في حالات معينة دون المتوسط. كما أنها سريعة التلف ولا تتحمل التخزين والنقل لفترات طويلة. وهو ما يزيد من صعوبة ضمان عرض كافي ومستقر في الأسواق.
وأوضح، أن تراجع العرض مقابل استمرار الطلب يؤدي إلى اختلال ميزان السوق. وينعكس بالتالي على الأسعار التي يدفعها المستهلك المغربي.
غزو التصدير
ومن بين العوامل التي ركز عليها الشابي، ما وصفه “بالتوسع الكبير” في تصدير المنتجات الفلاحية المغربية نحو الأسواق الخارجية. معتبرا أن هذا التوجه لا يراعي بالقدر الكافي حاجيات السوق المحلية، خصوصا خلال الفترات التي تعرف نقصا كبيرا في العرض.
وأوضح أن المنتجات الفلاحية المغربية توجه إلى عدد من الأسواق الخارجية، من بينها أوروبا وروسيا ودول الشرق الأوسط، إلى جانب دخول الأسواق الإفريقية على الخط. حيث قال إنها “تستوعب مختلف أصناف الخضر وتقوم بتشطيب الأسواق المغربية”، بما فيها المنتجات التي لا تستوفي المعايير المطلوبة في أسواق أخرى.
وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى أن الأسواق الأوروبية تفرض معايير محددة لاستقبال المنتجات الفلاحية، تشمل “الجودة واللون والمذاق والحجم ومواصفات أخرى…”،في حين اعتبر أن الأسواق الإفريقية تستوعب نطاقا أوسع من المنتجات. وهو ما يجعلها وفق تعبيره وجهة مهمة لتصريف مختلف أنواع الخضر المغربية.
واستحضر الشابي ما كان يجري في السابق، حين كانت بعض المنتجات التي لا توجه إلى الأسواق الأوروبية تجد طريقها إلى السوق المحلية. معتبرا أن هذا الأمر كان يساعد على توفير كميات إضافية من الخضر وتخفيف الضغط على التموين الداخلي.
وانتقد المتحدث ما اعتبره “تغليبا للتصدير على حساب حاجيات المستهلك المغربي”. محذرا في الآن ذاته من انعكاسات ذلك على الأمن الغذائي. خاصة عندما يتزامن توجيه المنتجات نحو الخارج مع تراجع العرض في الأسواق الوطنية.
ضعف المراقبة
وفي محور آخر، انتقد رئيس جمعية سوق الجملة للخضر بالدار البيضاء ما وصفه “بضعف مراقبة الأسعار وجودة المنتجات”. معتبرا أن غياب الدوريات المنتظمة يساهم في خلق فراغ رقابي يسمح وفق تعبيره “بانتشار ممارسات عشوائية داخل السوق”.
وأوضح أن المراقبة تحتاج إلى إطار قانوني واضح يضمن خروج اللجان المختصة بشكل منتظم ودوري، بدل الاقتصار على تدخلات متقطعة. مشيرا إلى أن غياب المراقبة قد يشجع بعض المتعاملين على استغلال وضعية السوق لتحقيق هوامش ربح مرتفعة.
كما دعا إلى التحلي بالمسؤولية والالتزام بأخلاقيات التجارة. معتبرا أن تحقيق الأرباح ينبغي ألا يكون على حساب القدرة الشرائية للمواطنين. وأن اعتماد هوامش ربح معقولة يمكن أن يساهم في الحد من تفاقم الأسعار.
وفي معرض حديثه عن تفسير الغلاء، رفض الشابي اختزال أسباب ارتفاع الأسعار في المضاربين والوسطاء. معتبرا أن الاختلالات ترتبط أيضا بطريقة تدبير القطاع الفلاحي. وقرارات الإنتاج والتصدير. ومدى مراعاة حاجيات السوق الوطنية.
وذهب المتحدث إلى انتقاد بعض المسؤولين عن تدبير القطاع. معتبرا أن تضارب الأدوار بين الجهات التي تشرف على القطاع وتلك التي تنشط في تصدير المنتجات الفلاحية يطرح إشكالا كبيرا في تدبير الأولويات. خاصة عندما تتعارض مصالح التصدير مع حاجيات السوق المحلية.
وأضاف أن بعض المدافعين عن التصدير يبررون هذا التوجه بجلب العملة الصعبة والمساهمة في التشغيل. غير أنه شدد على ضرورة إيجاد توازن بين هذه الأهداف الاقتصادية وضمان توفير الخضر للمستهلك المغربي بأسعار مناسبة.
وفي ما يتعلق بالأسعار الحالية، أشار الشابي إلى أن البصل والبطاطس يشهدان، وفق مستويات مرتفعة. محذرا من احتمال تجاوز سعر البصل 15 درهما للكيلوغرام خلال شهر ونصف إلى شهرين. إذا لم تتخذ إجراءات لمعالجة الاختلالات التي يعرفها القطاع.
وأكد أن مواجهة هذه الوضعية لا ينبغي أن تقتصر على تدابير ظرفية تتخذ بعد ارتفاع الأسعار. بل تستدعي حلولا هيكلية لأسباب الأزمة من جذورها.
اتساقا مع ذلك،كشف المتحدث عن اقتراحات سبق أن عرضتها جمعيته على الجهات المسؤولة عن القطاع. من بينها إعادة النظر في القوانين المنظمة. وترشيد الإنتاج الفلاحي. وتحديد المساحات المزروعة بناء على تقديرات مسبقة لحاجيات السوق المحلية.
وأوضح أن التخطيط للإنتاج ينبغي أن يضمن، في المقام الأول تلبية الطلب الداخلي، على أن توجه الكميات الفائضة نحو التصدير. بما يسمح بالحفاظ على التوازن بين مصالح القطاع الفلاحي ومتطلبات الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطنين.
وختم الشابي تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار الاختلالات الحالية. في غياب إصلاحات شاملة وتنسيق فعال بين الإنتاج والتصدير والمراقبة، قد يبقي أسعار الخضر عرضة لموجات متكررة من الارتفاع. داعيا الجهات الوصية إلى التعامل مع الملف من منظور شامل يتجاوز حدود التفسيرات الجاهزة للغلاء.
خديجة اسويس


