أعادت إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى البرلمان قبل استكمال مسطرة تنصيب الحكومة الجديدة النقاش بشأن حدود صلاحيات الحكومة المعينة وعلاقتها بالشرعية البرلمانية، في ظل تزامن الأجل القانوني لإيداع المشروع مع استمرار مناقشة البرنامج الحكومي داخل البرلمان.
وفي أول توضيح حكومي بشأن هذا الجدل، أكد نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، أن الحكومة من حقها إعداد مشروع قانون المالية وإيداعه لدى البرلمان داخل الأجل المحدد. على أن يتم تقديمه ومناقشته بعد استكمال مسطرة التنصيب البرلماني.
وأوضح بنعبد الله، خلال استضافته في برنامج “نقطة إلى السطر” على القناة الأولى، أن الأمر يقتضي التمييز بين إيداع المشروع واستكمال المسطرة الدستورية لتنصيب الحكومة. مشيرا إلى أن إيداع مشروع قانون المالية كان يتعين أن يتم قبل منتصف ليلة 20 أكتوبر. بينما سيجري تقديمه أمام البرلمان يوم الجمعة. بعد التصويت على البرنامج الحكومي.
غير أن هذه التوضيحات لم تنه الجدل القانوني. إذ يتمحور الخلاف حول ما إذا كان إيداع مشروع قانون المالية قبل نيل الحكومة ثقة مجلس النواب مجرد إجراء تحضيري تفرضه الآجال القانونية. أم ممارسة فعلية لاختصاص تشريعي ومالي يفترض استكمال شروط التنصيب البرلماني.
ويستند الاتجاه الذي يعتبر الإحالة ممكنة قبل التنصيب إلى ضرورة التوفيق بين مقتضيات الدستور والآجال المحددة في القانون التنظيمي للمالية. مع التمييز بين الوجود القانوني للحكومة. الذي يبدأ بالتعيين الملكي، واكتمال تنصيبها البرلماني. الذي يسمح لها بممارسة اختصاصاتها كاملة.
وبحسب هذا التصور، فإن إيداع المشروع لا يعني المصادقة عليه أو إقراره، ولا ينتقص من صلاحيات البرلمان في مناقشته وتعديله والتصويت عليه. كما أن تأجيل تقديم المشروع إلى حين استكمال التنصيب من شأنه. وفق هذا الطرح، أن يتيح احترام المسطرة البرلمانية دون التخلي عن الأجل القانوني لإيداعه.
في المقابل، يركز اتجاه قانوني آخر على أن الإشكال لا يتعلق بوجود الحكومة من الناحية الدستورية، بل بحدود صلاحياتها قبل الحصول على ثقة مجلس النواب. خصوصا أن قانون المالية ليس مجرد وثيقة محاسباتية. وإنما يتضمن اختيارات اقتصادية واجتماعية وتدابير ضريبية ونفقات عمومية تعكس توجهات البرنامج الحكومي.
ويستند هذا الموقف إلى الفصل 88 من الدستور، الذي يربط تنصيب الحكومة بموافقة مجلس النواب على البرنامج الحكومي. وإلى المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها. التي تحدد المهام التي يمكن للحكومة الجديدة ممارستها قبل تنصيبها.
ويرى أصحاب هذا التوجه أن إيداع مشروع قانون المالية ليس مجرد عملية إدارية لنقل وثيقة إلى البرلمان، بل إجراء تترتب عليه آثار قانونية. من بينها انطلاق الآجال المحددة لدراسة المشروع والتصويت عليه داخل مجلسي البرلمان. وهو ما يثير، وفق هذا الطرح. تساؤلات بشأن مدى جواز مباشرة الحكومة لاختصاص المبادرة التشريعية المالية قبل استكمال تنصيبها.
كما يثير هذا الخلاف مسألة ترتيب القواعد القانونية، بين الأجل المحدد في القانون التنظيمي للمالية لإيداع المشروع قبل 20 أكتوبر. والشرط الدستوري المرتبط بتنصيب الحكومة.
وفي هذا السياق، يعتبر الاتجاه المتحفظ أن احترام الأجل المالي لا ينبغي أن يتم عبر تأويل يحد من مقتضيات الفصل 88. مشيرا إلى أن النص لا ينص صراحة على بطلان المشروع في حال إيداعه بعد التاريخ المحدد.
وبين هذين التصورين، يبقى جوهر النقاش مرتبطا بحدود العمل الحكومي خلال الفترة الفاصلة بين التعيين الملكي والتنصيب البرلماني. وبمدى إمكانية التوفيق بين استمرارية المؤسسات واحترام الآجال المالية من جهة. وضمان أن تمارس الحكومة اختصاصاتها السياسية والتشريعية بعد استكمال شروط مسؤوليتها أمام البرلمان من جهة أخرى.








