بقلم: د. مونية المنصور*
قد تختصر عبارة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي تاريخا طويلا من التمثلات الاجتماعية، وقد تكشف طريقة نداء واحدة ما تعجز خطابات المساواة المعلنة عن إخفائه. فحين تتحول رئيسة الحكومة من مسؤولة سياسية تتولى أعلى منصب تنفيذي إلى “أختي فاطمة الزهراء” لا يصبح الأمر مجرد اختيار لغوي عفوي بالضرورة، بل يصبح مدخلا للتساؤل عن الكيفية التي نرى بها المرأة حين تصل إلى مواقع السلطة، وعن المسافة التي تفصل بين الاعتراف بكفاءتها والاعتراف الكامل بسلطتها.
لقد أثار النقاش العمومي الذي واكب تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة أسئلة تتجاوز شخصها إلى ذهنيات المجتمع المغربي ومدى استعداده لتقبّل المرأة في موقع القيادة على قدم المساواة مع الرجل. ومن بين التفاصيل التي تستحق التوقف عندها طرق مخاطبتها وتقديمها في بعض منشورات رواد مواقع التواصل الاجتماعي وتعليقات الصحافيين وصناع المحتوى، إذ برز الميل إلى الاكتفاء باسمها الشخصي، “فاطمة الزهراء” أو مناداتها بعبارات من قبيل “أختي فاطمة الزهراء”، بدل الاحتكام إلى الصفة المؤسسية التي يقتضيها موقعها السياسي.
قد يبدو الأمر بسيطا، وربما يراه البعض مجرد تعبير عن الألفة أو الود، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يبدو التخلي عن الألقاب الرسمية أكثر سهولة حين يتعلق الأمر بامرأة تتولى موقعا من مواقع السلطة؟ ولماذا لا تحضر الصفة المؤسسية بالوضوح نفسه الذي تحضر به عند مخاطبة المسؤولين الرجال؟ وهل نحن أمام عفوية لغوية بريئة، أم أمام أثر من آثار التمثلات الاجتماعية التي لا تزال تجعل سلطة الرجل أكثر اعتيادا وتلقائية في المخيال الجماعي من سلطة المرأة؟
حين تكشف الأسماء ما تخفيه الذهنيات
ليست الأسماء والألقاب مجرد كلمات نطلقها على الأشخاص، وليست الألقاب الرسمية زوائد لغوية يمكن الاستغناء عنها من دون أن يتغير شيء في المعنى. ففي طريقة تسمية الأشخاص ومخاطبتهم تتجلى، في كثير من الأحيان، تصنيفاتنا الاجتماعية، ومقدار الاعتراف الذي نمنحه لكل فرد بحسب موقعه وجنسه ومكانته. فاللغة لا تصف الواقع فحسب، إنها تسهم أيضا في تشكيل نظرتنا إليه، وفي تحديد ما نعدّه طبيعيا أو استثنائيا، وما نراه جديرا بالاحترام أو قابلا للاختزال.
ومن هذا المنطلق، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن الألقاب بوصفها شكلا من أشكال التبجيل، وإنما بفهم ما تحمله من دلالات مؤسسية ورمزية. فعندما نخاطب رئيس الحكومة بصفته الرسمية، فإننا لا نعبر بالضرورة عن إعجابنا بشخصه، بل نعترف، في الحد الأدنى، بالموقع الذي يشغله وبالمسؤولية التي يتحملها. أما حين نتجاوز الصفة إلى الاسم الشخصي، فقد يكون ذلك اختيارا عاديا في سياق حميمي أو نقدي أو ساخر، لكنه قد يكتسب دلالة مختلفة عندما يصبح نمطا متكررا في التعامل مع النساء دون الرجال.
ولعل المقارنة هنا كاشفة. فقد اعتدنا أن نخاطب المسؤولين الرجال بألقابهم وصفاتهم، ولم يصبح من المألوف أن يختزل رئيس حكومة في عبارة “خويا عزيز” أو”خويا عبد الإله” في سياق الحديث عن صفتهما الرسمية. فلماذا يبدو الاسم الشخصي وصيغ القرابة أكثر حضورا عندما يتعلق الأمر بامرأة في موقع مماثل؟ إن طرح هذا السؤال لا يعني أن كل من يستعمل هذه العبارات ينتقص من المرأة، بل يعني أن تكرار بعض الممارسات اللغوية قد يكشف عن معايير مزدوجة تستحق الفحص والنقاش.
من هيبة المؤسسة إلى ألفة القرابة
تكتسب عبارة “أختي فاطمة الزهراء” أهميتها من السياق الذي تستعمل فيه، لا من كلمة “أختي” في حد ذاتها، فهي عبارة مألوفة في الثقافة المغربية، وقد تعبّر عن المودة والتضامن والاحترام. غير أن دلالتها تتغير بحسب المقام والمتلقي والغاية من استعمالها. فما قد يكون تعبيرا عن الألفة في حديث عادي قد يتحول، في سياق الخطاب السياسي والإعلامي، إلى صيغة تستدعي العلاقة الشخصية على حساب الصفة المؤسسية.
وهنا تكمن المفارقة: حين تتولى المرأة السلطة، قد يظل الخطاب المحيط بها يستدعي هويتها الاجتماعية والشخصية قبل موقعها الرسمي، وكأن الوصول إلى القيادة لا يكفي وحده لنقلها من دائرة العلاقات المألوفة إلى فضاء الاعتراف المؤسسي الكامل. وكأن المرأة، حتى بعد بلوغ أعلى مراتب المسؤولية، تظل مطالبة بأن تكون قريبة ومألوفة وقابلة للاختزال في اسمها الأول، بدلا من أن تخاطب ابتداء من موقعها وما يمثله من سلطة ومسؤولية.
ويمكن قراءة هذه المفارقة في ضوء مفهوم “العنف الرمزيّ لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، ذلك العنف الذي لا يمارس بالضرورة عبر الإكراه المباشر، بل قد يتسلل من خلال ممارسات يومية تبدو طبيعية أو بريئة، فتعيد إنتاج علاقات القوة والتفاوت من دون حاجة إلى إعلانها صراحة. فليس ضروريا أن يصرّح أحد بأن المرأة أقل أهلية للقيادة حتى تتجلى بعض آثار هذا التصور في اللغة التي يخاطبها بها، أو في الطريقة التي يقدَّم بها حضورها إلى الجمهور.
وبطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار كل استعمال للاسم الشخصي أو لكل عبارة ودية شكلا من أشكال العنف الرمزي، فالمعنى لا يستخلص من العبارة وحدها، وإنما من سياقها وتكرارها، ومن المقارنة بين ما يمنح للمرأة وما يمنح للرجل في الظروف نفسها. لكن اللغة تظل مرآة تستحق الإصغاء، خصوصا عندما تكشف عن تفاوت في المسافة الرمزية التي تفصل بين المسؤول والمسؤولة، وبين من تمنح سلطته صفة “الطبيعية” ومن تظل سلطته موضع اختبار.
المرأة مطالبة بالإنجاز وبإثبات أحقيتها بالمنصب
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن التنشئة الاجتماعية والثقافية التي تشكلت داخلها تصوراتنا عن القيادة والقرار والتمثيل السياسي. فقد ارتبط حضور المرأة، في جانب من المخيال الجمعي، بأدوار الرعاية والخدمة والقرابة، بينما ارتبط الرجل بالقرار والتمثيل والسلطة داخل الأسرة وفي الفضاء العام. وهي تصورات لا تختفي بالضرورة بمجرد تغير القوانين أو اتساع مشاركة النساء في المؤسسات، بل قد تستمر في الظهور بأشكال أقل مباشرة وأكثر خفاء.
ومع تراجع بعض الأحكام الصريحة التي تشكك في أهلية المرأة لتولي المسؤولية، قد تواصل الصور النمطية حضورها من خلال اللغة والنبرة والتعليقات الساخرة وطبيعة الأسئلة الموجهة إلى النساء، بل ومن خلال الطريقة التي يجري بها تقديمهن إلى الجمهور. وهكذا قد لا يمنع وصول المرأة إلى السلطة، لكن الاعتراف بها بعد الوصول يظل، أحيانا، مشروطا باختبارات إضافية لا يخضع لها الرجل بالقدر نفسه.
فحين يتولى رجل مسؤولية حكومية، يفترض غالبا أن يكون النقاش منصبّا على أدائه السياسي وحصيلته وقراراته. أما حين تتولى امرأة موقعا مماثلا، فقد يمتد النقاش إلى مظهرها وطريقة كلامها وحضورها الشخصي وعلاقاتها الخاصة، حتى عندما تكون موضوعات النقاش الأساسية مرتبطة بأدائها المهني والسياسي. وكأن الرجل مطالب بإثبات كفاءته في المنصب، فيما تطالب المرأة، إلى جانب ذلك، بإثبات أحقيتها في شغله أصلا.
ولا يقتصر الأمر على الخطاب السياسي المباشر، فبعض الممارسات الإعلامية تسهم بدورها في إعادة إنتاج هذه الصور حين تقدّم الرجل بوصفه فاعلا وصانعا للحدث، بينما تضع المرأة في إطار مظهرها أو حياتها الخاصة أو علاقاتها الشخصية. وعندما تتكرر هذه المقاربة، فإنها لا تؤثر في صورة المرأة لدى الجمهور فحسب، بل قد تضعف أيضا حضورها بوصفها فاعلا سياسيا مستقلا وصاحبة قرار.
إن المفارقة تكمن في أننا قد نتباهى بتقدم مشاركة المرأة في الحياة السياسية، ونحتفي بوصولها إلى مواقع المسؤولية، بينما نواصل، في بعض تفاصيل خطابنا اليومي، التعامل مع سلطتها باعتبارها أمرا يحتاج إلى تفسير أو تبرير أو اختبار. وهنا يتقدم حضور المرأة داخل المؤسسة على حضورها في المخيال الاجتماعي، فتتغير مواقعها أسرع مما تتغير الصور الذهنية المرتبطة بها.
لا قداسة للمنصب ولا انتقاصا من صاحبته
ليس المقصود من هذا النقاش إحاطة المرأة بهالة من التقديس لمجرد أنها امرأة، ولا إعفاءها من النقد لأنها تشغل موقعا سياسيا رفيعا. فالمنصب العام يظل خاضعا للمساءلة، والسياسات والقرارات والنتائج هي المعيار الأساسي لتقييم المسؤولين والمسؤولات. لكن المساواة الحقيقية تقتضي أن تخضع المرأة لمعايير التقييم نفسها التي يخضع لها الرجل، وأن تحظى بالاعتراف المؤسسي ذاته، من دون انتقاص أو مبالغة أو استثناء.
فاحترام الصفة الرسمية لا يعني تقديس صاحبها، كما أن النقد السياسي لا يستلزم الانتقاص الشخصي. ويمكن للمواطن أن يعارض رئيسة الحكومة، وأن ينتقد قراراتها وأداءها بشدة، من دون أن يتخلى عن الاعتراف بموقعها المؤسسي. بل إن الفصل بين الشخص والمنصب هو أحد شروط النقاش السياسي الناضج، لأنه ينقل الاختلاف من دائرة الأحكام الشخصية إلى دائرة البرامج والسياسات والمسؤولية العمومية.
ومن هنا، فإن الرهان لا يتعلق بفرض لقب معين في كل سياق، ولا بمراقبة مفردات الناس أو محاسبتهم على كل تعبير عابر، وإنما بالانتباه إلى المعايير التي تحكم خطابنا عندما نتحدث عن النساء والرجال في مواقع متكافئة. فهل نمنح كليهما المسافة المهنية نفسها؟ وهل نناقش الأداء السياسي بالجدية ذاتها؟ وهل نرى في المرأة صاحبة المنصب ممثلة لمؤسسة، أم نعود، من دون وعي، إلى النظر إليها أولا من خلال هويتها الجندرية وعلاقاتها الاجتماعية؟
إن بناء ثقافة سياسية أكثر مساواة يبدأ من الأسرة والمدرسة والإعلام، ويمر عبر الخطاب السياسي نفسه، من خلال ترسيخ فكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في آثارها: الكفاءة ليست حكرا على جنس بعينه، والسلطة ليست امتدادا طبيعياً للرجل، كما أن تولي المرأة للمسؤولية ليس استثناء يحتاج إلى تبرير مستمر.
حين تصبح الصفة طبيعية
في النهاية، ربما لا تكمن المسألة في اسم “فاطمة الزهراء” ولا في عبارة “أختي” بذاتها، بل في المعاني التي تنتجها طريقة استعمالهما، وفي المعايير التي تجعل بعض أشكال المخاطبة تبدو طبيعية مع الرجل، ومألوفة أو مبررة مع المرأة. فالكلمات لا تكشف دائماً ما نريد قوله صراحة، لكنها قد تكشف، أحيانا، ما لم ننتبه إلى أننا ما زلنا نفكر فيه.
قد تتغير القوانين، وتتسع مشاركة النساء، وتصل المرأة إلى أعلى مواقع المسؤولية، بينما تظل بعض الذهنيات أسيرة تصورات قديمة تحدد، بصورة واعية أو غير واعية، من يبدو جديرا بالهيبة، ومن يحتاج إلى إثبات أحقيته بها. وعند هذه النقطة، تصبح اللغة أكثر من وسيلة للتواصل، حيث تصير مساحة تتجلى فيها معركة الاعتراف والمساواة.
لذلك، ربما يكون السؤال الأجدر بالتأمل ليس: هل يجوز أن ننادي رئيسة الحكومة باسمها الشخصي؟ بل، لماذا نرتاح أحيانا إلى اختزال المرأة المسؤولة في اسمها الشخصي، بينما نتمسك بالصفة الرسمية حين يتعلق الأمر بالرجل؟ وما الذي يجعل سلطة أحدهما تبدو طبيعية، في حين تظل سلطة الأخرى قابلة للاختزال أو موضع تساؤل؟
إن الاختبار الحقيقي للمساواة لا يكمن فقط في فتح أبواب المؤسسات أمام النساء، بل في أن تصبح سلطتهن مفهومة ومقبولة في وعينا اليومي، من دون أن نطالبهن، كل مرة، بإثبات أنهن يستحققن المكان الذي وصلن إليه. وحين تصبح صفة المرأة المسؤولة جزءا طبيعيا من خطابنا، وحين ننظر إليها من خلال أدائها وكفاءتها لا من خلال جنسها أولا، نكون قد تجاوزنا خطوة مهمة في الانتقال من مساواة تعلنها القوانين إلى مساواة تستبطنها الذهنيات.
فقد تبدأ إعادة إنتاج التفاوت بكلمة عابرة، لكن مراجعة هذه الكلمة قد تفتح بابا واسعا لفهم ما لم نحسمه بعد في علاقتنا بالمرأة والسلطة.
*صحافية وباحثة








