يعيد ترشح البشير مصطفى السيد لقيادة جبهة البوليساريو، ومنافسته للأمين العام الحالي إبراهيم غالي. النقاش حول مستقبل القيادة داخل التنظيم، في ظل التحديات السياسية والتنظيمية التي تواجهه. وما يرافقها من تساؤلات بشأن تجديد النخب وتدبير الخلافات الداخلية.
ويأتي هذا التنافس بين شخصيتين تنتميان إلى الجيل المؤسس للجبهة الانفصالية. في مرحلة تتزايد فيها أهمية التوازنات الداخلية، بالنظر إلى انعكاسات الصراعات القيادية على وحدة التنظيم وقدرته على الحفاظ على تماسك أجهزته. خصوصا في ظل الانتقادات المرتبطة بتدبير الشأن الداخلي والأوضاع الاجتماعية والأمنية بمخيمات تندوف.
وفي قراءة لهذه التطورات، اعتبر محمد سالم عبد الفتاح، رئيس مرصد الصحراء للإعلام وحقوق الإنسان، أن ترشح البشير مصطفى السيد يتجاوز مجرد المنافسة على منصب الأمين العام. ليطرح إشكالات أعمق تتعلق بشرعية القيادة، وتجديد النخب، ومستقبل تدبير السلطة داخل الجبهة.
وأوضح عبد الفتاح في تصريح لموقع “سفيركم” أن التنافس بين القيادات التاريخية، عندما يتحول إلى مواجهة علنية بشأن الحصيلة والأهلية والشرعية التاريخية. يطرح تساؤلات حول قدرة التنظيم على إعادة بناء تماسكه الداخلي. وتجاوز أنماط تداول المسؤوليات القائمة على تدوير المناصب بين عناصر الجيل المؤسس.
وأضاف المتحدث أن ترشح البشير مصطفى السيد يكتسب دلالته من انتمائه إلى الجيل المؤسس للجبهة، وما يتوفر عليه من رصيد تاريخي داخل بنيتها القيادية. مشيرا إلى أن منافسته إبراهيم غالي. بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى حصيلته، تكشف عن بروز خلافات داخلية بشأن أداء القيادة ومصادر شرعيتها.
واعتبر الباحث في الشأن الصحراوي أن استحضار أحداث انتفاضة الزملة سنة 1970 والطعن في بعض الروايات المرتبطة بالدور التاريخي لغالي. يعكسان انتقال الصراع من تقييم الأداء الراهن إلى التشكيك في أحد مصادر الشرعية الرمزية للقيادة. في سياق تنازع بشأن تفسير الذاكرة التأسيسية للجبهة وتوزيع الأدوار داخلها.
وسجل عبد الفتاح أن التنافس لا يمكن اختزاله في خلاف شخصي بين البشير مصطفى السيد وإبراهيم غالي، رغم حضور الطموح إلى القيادة. معتبرا أن الاحتقان الاجتماعي والانتقادات المرتبطة بتوزيع المسؤوليات والحديث عن التهميش والفساد تعكس إشكالات أوسع تتصل بطبيعة تدبير السلطة داخل التنظيم.
وأضاف المتحدث أن اتساع الخلافات بين القيادات قد يضعف قدرة الأجهزة الداخلية على احتوائها وتحويلها إلى تنافس منضبط. محذرا من أن تحول المنافسة إلى اصطفافات تستند إلى الولاءات الشخصية أو التوازنات القبلية قد يؤثر على وحدة القرار السياسي والتنظيمي.
أزمة القيادة وانعكاساتها على أوضاع مخيمات تندوف
وفي السياق ذاته، ربط رئيس مرصد الصحراء للإعلام وحقوق الإنسان بين أزمة القيادة والأوضاع التي تشهدها مخيمات تندوف. مشيرا إلى الاحتجاجات الاجتماعية والتقارير المتعلقة بمواجهات ذات طابع قبلي وتوترات أمنية. فضلا عن الاتهامات المرتبطة بالفساد وسوء التدبير.
وأوضح الناشط الحقوقي أن هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن قدرة البنية القيادية على حماية السكان وتوفير الخدمات وإدارة الموارد وضمان آليات فعالة للمساءلة. مبرزا أن الحفاظ على البنية التنظيمية الرسمية لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج الاستقرار الاجتماعي أو الاستجابة للمطالب اليومية للسكان.
وشدد عبد الفتاح على أن مسؤولية الأوضاع داخل المخيمات لا تقتصر على القيادة السياسية للبوليساريو، بل تستدعي أيضا النظر في مسؤولية الجزائر، باعتبارها الدولة التي تقع المخيمات فوق إقليمها، وما يرتبط بذلك من التزامات تتعلق بحماية الحقوق وضمان سبل الانتصاف.
وبخصوص الحصيلة السياسية والدبلوماسية والميدانية للجبهة، اعتبر المتحدث أنها تمثل أحد المصادر التي تستند إليها القيادة في تبرير استمرارها. مشيرا إلى أن تراجع المكاسب التي تروج لها الجبهة يزيد من اعتمادها على الرمزية التاريخية والخطاب التعبوي للحفاظ على تماسك قواعدها.
وأضاف رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن هذا الأسلوب يظل محدود الفاعلية عندما تتزايد المطالب الاجتماعية والانتقادات الداخلية. ويصبح السكان أكثر انشغالا بظروفهم المعيشية والأمنية وبآفاق مستقبلهم. معتبرا أن استمرار النزاع من دون أفق واضح يرفع كلفة الحفاظ على التعبئة التقليدية ويصعب تحويل الخطاب السياسي إلى مصدر متجدد للشرعية.
تراجع المكاسب السياسية يضع شرعية قيادة البوليساريو أمام اختبار جديد
وفي ما يتعلق بفرص التغيير داخل القيادة، أشار عبد الفتاح إلى أن إبراهيم غالي، الذي أعيد انتخابه سنة 2023، يواجه منافسة جديدة من شخصية تاريخية داخل الجبهة. في حين يستند البشير مصطفى السيد إلى رصيده التاريخي وانتقاداته للقيادة الحالية. من دون أن يعني ذلك امتلاكه بالضرورة مشروعا بديلا متكاملا أو قدرة مؤكدة على استعادة التماسك الداخلي.
واعتبر الناشط الصحرواي أن أزمة القيادة لا ترتبط فقط بغياب شخصية قوية أو مؤثرة. بل بصعوبة الجمع بين الشرعية التاريخية والفاعلية التنظيمية والقدرة على الإقناع. مشيرا إلى أن انتقاد إخفاقات القيادة القائمة لا يكفي، في حد ذاته، لتحويل المنافس إلى بديل مستقر.
ودعا المتحدث، في هذا الإطار، إلى النظر في مدى قدرة التنظيم على تجديد أساليب القيادة وإعادة بناء الثقة الداخلية. من خلال تشبيب الهياكل وضخ دماء جديدة فيها، إلى جانب تطوير آليات المساءلة وتقديم تصور واقعي لمستقبل المخيمات.
ثلاثة سيناريوهات لمؤتمر البوليساريو المقبل
وبشأن السيناريوهات المحتملة للمؤتمر المقبل، طرح عبد الفتاح ثلاثة مسارات رئيسية، أولها احتواء التنافس عبر إعادة انتخاب القيادة الحالية. أو التوصل إلى تسوية داخلية تحافظ على الوضع القائم، من دون أن يعني ذلك معالجة أسباب الأزمة ما لم تصاحبه مراجعة فعلية للأداء.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في احتمال اتساع الاصطفافات الداخلية إذا تحول التنافس إلى مواجهة بين مجموعات قيادية متعارضة. بما قد يوسع الخلافات بشأن التعيينات والتمثيل وتوزيع المسؤوليات والمناصب، ويؤثر على تماسك القرار السياسي والتنظيمي.
ويتمثل السيناريو الثالث حسب المتحدث في استمرار التشكيلة القيادية نفسها من حيث أنماط التدبير. سواء أعيد انتخاب إبراهيم غالي أو تولت شخصية أخرى القيادة. وهو ما قد يؤدي لى تأجيل الأزمة بدل معالجة أسبابها المرتبطة بالحكامة والأوضاع الاجتماعية والأمنية داخل المخيمات.
وختم عبد الفتاح بالتأكيد على أن المؤشرات الأساسية لتحديد مسار الجبهة ستتضح من خلال طبيعة إدارة المؤتمر ونتائجه. ومدى احترام قواعد المنافسة ومواقف القيادات الأخرى من المرشحين. فضلا عن قدرة الانتقادات المطروحة على التحول إلى برنامج إصلاحي واضح، بدل بقائها جزءا من الصراع على المواقع والمناصب.


