بقلم: جلال المخفي
حمل الحادي والثلاثون من أكتوبر 2026 زلزالا دبلوماسيا في ردهات مجلس الأمن الدولي، بعدما أدى تبادل الفيتو بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا إلى إسقاط مقترحات تمديد بعثة المينورسو وترك مستقبلها في مهب الريح. وجاء الرد الرسمي لوزارة الشؤون الخارجية للاتحاد الروسي في فاتح نوفمبر كوثيقة سياسية بالغة الأهمية تحاول استيعاب الصدمة وتبرير الموقف. ولم يكن هذا البلاغ مجرد تعليق روتيني على حدث أممي، بل شكل صياغة مشفرة تعكس ميزانا جيوسياسيا دقيقا، يظهر كيف تدير موسكو صراعها مع واشنطن بشكل براغماتي على حساب حلفائها الإقليميين في شمال إفريقيا.
وتكمن الأهمية القصوى لهذا البلاغ في كونه يكشف عن تحول تكتيكي يرجح المقاربة الواقعية للمغرب على حساب الأطروحات الكلاسيكية للجزائر. ومن خلال قراءة متعمقة لما وراء السطور، يمكن تفكيك الرسائل المبطنة التي مررتها المتحدثة ماريا زاخاروفا عبر خمس زوايا تحليلية رئيسية، تفضح المسافة الفاصلة بين الخطاب الأيديولوجي والمصالح البراغماتية لروسيا.
أولا: الجزائر كطرف مباشر
أحدث البلاغ الروسي خرقا جوهريا في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية عندما أدرجها بوضوح كطرف مباشر ومعني بالنزاع إلى جانب المغرب. وظلت الجزائر لعقود تصر على تصنيف نفسها في خانة البلد الجار أو الملاحظ الدولي هربا من التبعات السياسية والقانونية المترتبة على دورها في تمويل وتسليح جبهة البوليساريو. وجاء هذا التحديد الروسي الصريح ليقوض هذه السردية بالكامل ويضع الجزائر أمام مسؤوليتها المباشرة في إيجاد الحل أو استمرار المأزق.
ويحمل هذا الإدراج دلالة بالغة الأهمية بالنسبة للرباط، إذ يمثل تقاطعا موضوعيا مع الطرح المغربي الذي طالما طالب بجلوس الجزائر إلى طاولة المفاوضات كطرف حقيقي في النزاع الإقليمي. ورغم أن روسيا ترتبط بعلاقات استراتيجية وتاريخية مع الجزائر، إلا أنها لم تتردد في التضحية ببروتوكول الحياد الجزائري لإضفاء طابع الواقعية على صياغتها السياسية، معترفة بالوضع القائم كما هو على الأرض لا كما تصوره البروباغندا.
ويكشف هذا التوجه أن موسكو باتت تدرك جيدا عدم جدوى استبعاد الجزائر من الصياغات الدولية طالما أنها المحرك الأساسي للملف. ومن ثم، فإن قرن المغرب والجزائر معا في خانة الأطراف المعنية مباشرة يعكس رغبة روسيا في عدم تحمل عبء الدفاع عن طرف يرفض الاعتراف بدوره علنا، مما يمثل تحولا صامتا في كيفية إدارة الكرملين لعلاقاته مع حلفائه في المنطقة.
ثانيا: تبخر البوليساريو
في خطوة لافتة ومثيرة للانتباه، خلا البلاغ الرسمي لوزارة الخارجية الروسية من أي ذكر لجبهة البوليساريو أو ما يسمى بالجمهورية الصحراوية. واستعاضت الدبلوماسية الروسية عن هذا الكيان بعبارات فضفاضة مثل سكان هذا الإقليم أو السكان المحليين، وهو غياب لا يمكن تصنيفه في خانة السهو، بل هو قرار سياسي متعمد يعكس رغبة روسيا في عدم إعطاء أي زخم قانوني أو سياسي لكيان غير معترف به دوليا كدولة قائمة بذاتها.
هذا التجاوز التام يمثل ضربة قاسية للأطروحة الانفصالية، حيث أثبتت موسكو أنها في لحظات الحسم الدولي لا تتعامل إلا مع دول وحكومات شرعية ومستقرة كالمغرب والجزائر. ويعني تغييب الجبهة من النص أن روسيا ترى في النزاع ملفا سياسيا إقليميا بين عاصمتين، وليس قضية حركة تحرر وطني كما تروج الجبهة وحاضنتها، مما يسحب البساط من تحت أقدام من يطالبون بتمثيلية حصرية للساكنة.
ومن الواضح أن روسيا سعت من خلال هذا الصمت المقصود إلى الحفاظ على شعرة معاوية مع الرباط، التي تشهد علاقاتها مع موسكو نموا اقتصاديا ودبلوماسيا متصاعدا. وتدرك موسكو أن إقحام اسم البوليساريو في بلاغ رسمي عقب فيتو تاريخي كان سيعتبر عداء صريحا ومباشرا للمغرب، وهو ما تجنبته بحرفية لتبقي على مساحة مناورة تضمن لها مصالحها مع كافة الأطراف.
ثالثا: الاعتراف الضمني بالسيادة
حمل البلاغ لغة دبلوماسية رصينة ومرنة، ترفض بشكل قاطع تبني القاموس الراديكالي الذي يحاول خصوم الوحدة الترابية للمغرب فرضه، حيث غابت تماما مصطلحات من قبيل القوة الاستعمارية أو الاحتلال المغربي. وبدلا من ذلك، اختارت الخارجية الروسية الحديث عن النظام الترابي للإقليم وعن خيارات التسوية السياسية، وهي مصطلحات تعترف بالوضع القائم وتتعامل معه كواقع سياسي وإداري مستقر تديره المملكة المغربية.
إن تجنب وصم المغرب بصفات عدائية يعكس وعي موسكو بالشرعية التاريخية والواقعية التي يفرضها المغرب على الأرض، لاسيما بعد الاعترافات الدولية المتتالية بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي من قبل قوى عظمى. وروسيا التي ترفع دائما شعار احترام سيادة الدول، تجد نفسها غير قادرة على مجاراة لغة التشنج الجزائري، مفضلة لغة القانون الدولي المرنة التي تتيح نقاش الحلول السياسية دون إطلاق أحكام مسبقة تعادي الرباط.
ويؤكد هذا التحييد الاصطلاحي أن روسيا لا ترى في الملف قضية تصفية استعمار تقليدية، بل نزاعا إقليميا يبحث عن صيغة توافقية للنظام الترابي. وتفتح هذه الصياغة الباب مواربا للقبول بأي صيغة إدارية تضمن مصالح السكان، مما يجعل الموقف الروسي أقرب إلى الحياد الإيجابي الذي لا يرفض السيادة المغربية من حيث المبدأ، بل يطالب بأن تأتي عبر مسار تسوية سياسية متوافق عليها دوليا.
رابعا: الانفتاح على بدائل الحكم الذاتي
رغم إشارة البلاغ إلى أهمية إتاحة الفرصة لسكان هذا الإقليم لتقرير مصيرهم بأنفسهم، إلا أن التدقيق في السياق يكشف أن روسيا لم تعد تقدم الاستفتاء الكلاسيكي كخيار وحيد وأوحد. فقد ربط النص هذا المبدأ بمختلف الخيارات المتعلقة بالنظام الترابي للإقليم، وهو ما يعد التفافا ذكيا على المقاربة الجامدة القديمة وانفتاحا صريحا على الحلول السياسية البديلة والواقعية التي يتصدرها مقترح الحكم الذاتي المغربي.
وتعلم الدبلوماسية الروسية، كغيرها من الفاعلين الدوليين، أن خيار الاستفتاء بنواياه الإقصائية القديمة قد ولد ميتا وأقبرته التقارير الأممية لعدم قابليته للتطبيق التقني والسياسي. ومن ثم، فإن عبارة تقرير المصير في القاموس الروسي المعاصر يمكن أن تتجسد قانونيا عبر الاستفتاء الإيجابي، أي تصويت الساكنة المحلية بالقبول على مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما ينسجم تماما مع عبارة الصيغة الأكثر ملاءمة للسكان المحليين.
إن هذه المرونة اللغوية تؤكد أن موسكو ترفض الجمود وتتحرك وفق سياق دولي بات يعترف بواقعية المبادرة المغربية. ومن خلال ترك الباب مفتوحا لجميع الخيارات الترابية، تبرئ روسيا ذمتها من الإصرار على حلول مستحيلة، ملمحة إلى أن الحل النهائي يجب أن يكون سياسيا براغماتيا ينهي النزاع دون العودة إلى المربع الأول الذي تجاوزه الزمن.
خامسا: تبعات غياب المينورسو
يفتح غياب بعثة المينورسو الباب أمام واقع ميداني جديد ينهي المنطقة العازلة التي كانت تفصل القوات المسلحة الملكية خلف الجدار الرملي عن الحدود الدولية. وكان وجود البعثة يفرض قيودا جغرافية وعسكرية معينة التزم بها المغرب تماشيا مع الاتفاقيات الأممية، غير أن زوال هذا الإطار القانوني يمنح الرباط الحق الكامل في بسط سيادتها الإدارية والأمنية على كافة أراضي الصحراء دون أي قيد أو شرط، وتحويل تلك المناطق إلى عمق استراتيجي مفتوح.
وعلى المستوى الأمني، يمنح هذا التغير الميداني الجيش المغربي اليد الطولى لتطهير المنطقة شرق الجدار من أي تحركات مشبوهة أو محاولات للتسلل من طرف جبهة البوليساريو. ولم تعد المملكة ملزمة بضبط النفس في مواجهة الاستفزازات، بل صار بإمكانها التعامل بحزم مطلق وتوسيع الحزام الأمني ليشمل كافة النقاط الحدودية، مما يعني جغرافيا خنق الأطروحة الانفصالية وإنهاء أسطورة الأراضي المحررة التي طالما روجت لها البروباغندا الجزائرية.
وفي المحصلة، يعجل غياب البعثة بنقل الملف من أروقة الأمم المتحدة إلى واقع الحسم النهائي على الأرض، حيث يصبح المغرب الفاعل الوحيد والشرعي في إدارة الإقليم وتنميته. هذا الوضع الجديد سيجبر القوى الدولية على التعامل مع الأمر الواقع الجديد، ويسرع من وتيرة الاستثمارات والمشاريع التنموية في الأقاليم الجنوبية، مع تحويل المعابر الحدودية إلى مناطق ربط اقتصادي آمن ومستقر نحو العمق الإفريقي.
تأسس الفيتو الروسي الأخير في مجلس الأمن ضد المقترح الأمريكي بشكل أساسي على الرغبة في مناكفة واشنطن وعرقلة مساعيها لإعادة صياغة البعثات الأممية وفق رؤيتها الخاصة. ومع ذلك، فإن القراءة الدقيقة لبلاغ الخارجية الروسية تكشف عن إحباط مكتوم وفقدان متزايد للأمل في إمكانية تمديد عمر هذا النزاع الإقليمي إلى ما لا نهاية فقط لإرضاء الحليف الجزائري.
لقد أدركت موسكو أن كلفة الدعم الأعمى لأطروحة متآكلة باتت مرتفعة، لاسيما مع اتساع رقعة التأييد الدولي للحكم الذاتي واقتراب الملف من الحسم النهائي على الأرض.
إن تعبير زاخاروفا عن الأسف لإلغاء الأسس التي يقوم عليها وجود ممثلي الأمم المتحدة يعكس اعترافا روسيا بأن اللعبة القديمة قد انتهت، وأن أدوات الضغط التقليدية لم تعد تجدي نفعا أمام الإصرار المغربي والدعم الدولي المتزايد له. ويحمل البلاغ في طياته إشارة واضحة إلى أن موسكو، وإن وظفت الفيتو هذه المرة في سياق صراع المحاور مع أمريكا، لن تقبل بأن ترهن علاقاتها الاستراتيجية في شمال إفريقيا لصالح وهم الانفصال، وأنها بدأت تهيئ حليفها الجزائري لقبول حتمية التسوية السياسية الواقعية.
وفي المحصلة، يتجه ملف الصحراء بخطى ثابتة نحو الحسم النهائي والسيادي لصالح المغرب، مدفوعا بمتغيرات ميدانية ودبلوماسية لا رجعة فيها. ويؤكد الموقف الروسي الأخير، المليء بالثغرات والتنازلات الاصطلاحية لصالحه، أن القوى العظمى – حتى تلك التي تبدو في ظاهرها معارضة – باتت مقتنعة بأن قطار الحل قد انطلق، وأن الاستمرار في بيع الأوهام للجزائر والبوليساريو لم يعد خيارا استراتيجيا مربحا في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والواقعيين على الأرض.








