كشفت النيابة العامة في مدينة غرونوبل الفرنسية عن واحدة من أخطر قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال “البيدوفيليا” في تاريخ القضاء الفرنسي، بعد توقيف رجل يبلغ من العمر 79 سنة يدعى جاك لوفوغل، يُشتبه في تورطه في 89 حالة اغتصاب واعتداء جنسي على قاصرين، ارتكبت على مدى ستة عقود في ثماني دول مختلفة، منها المغرب.
ونقلت تقارير إعلامية فرنسية، منها الموقع الالكتروني الرسمي لإذاعة “RFI” وصحيفة “Le Parisien”، المعطيات الرسمية التي أعلنها المدعي العام لدى محكمة غرونوبل، التي تشير إلى أن المتهم ظل يمارس جرائمه منذ أواخر ستينيات القرن الماضي دون أن يكشف أمره، مستفيدا من تنقلاته المستمرة بين عدة بلدان، من بينها المغرب، حيث كان يقيم لفترات طويلة، إلى جانب فرنسا، ألمانيا، سويسرا، الجزائر، النيجر، الفلبين، جنوب الهند وكولومبيا.

وتفجرت هذه القضية في سنة 2023، عندما كان المتهم في نزهة جبلية رفقة شقيقه، فاستغل ابن شقيقه غيابهما وقام بتفتيش أغراضه الشخصية، ليعثر على (USB) اكتشف فيها آلاف الصفحات التي كتبها المتهم بنفسه، على شكل سجلات ومذكرات شخصية تعود بدايتها إلى سنة 1967.
ولم تكن هذه المذكرات مجرد يوميات عادية، بل تضمنت اعترافات صريحة بإقامة علاقات جنسية مع قاصرين ومراهقين، مؤرخة بدقة بالزمان والمكان، رفقة صورهم، وتغطي فترة تمتد إلى غاية سنة 2022. وأمام خطورة المحتوى، توجه ابن الشقيق إلى مركز الدرك في مدينة فيزيل (Vizille) وسلم جميع الوثائق للمحققين في أكتوبر 2023، ما أدى إلى فتح تحقيق قضائي رسمي في يناير 2024.
وذكرت المصادر ذاتها أن التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة في غرونوبل كشفت أن لوفوغل كان يستهدف ضحاياه في بلدان متعددة، مستغلا صفته الاجتماعية كمرب متطوع، ومؤطر للأنشطة الجبلية، وأحيانا كمدرس خاص، وكانت أعمار ضحاياه من الذكور، تتراوح بين 13 و17 سنة وقت وقوع الاعتداءات.
ووفق ما نقلته صحيفة “Le Parisien” عن المدعي العام إتيان مانتو، فإن المتهم اعتمد أسلوبا وصفه بـ “الإغواء الفكري”، حيث كان يبني علاقة ثقة طويلة مع المراهقين قبل الانتقال إلى الاعتداء الجنسي، وتصف النيابة العامة المتهم بأنه شخص مثقف، يتقن عدة لغات، ويتمتع بكاريزما قوية، رغم فشله في الحصول على أي شهادة جامعية رسمية. وكان يستعمل هذه الصورة الاجتماعية لتسهيل الوصول إلى الضحايا وكسب ثقتهم.
كما كشفت التحقيقات أنه كان يقدم مساعدات مادية لبعض الضحايا، مثل تمويل دروس، أو المساعدة في الحصول على رخص سياقة، أو تغطية مصاريف سفر، وهو ما خلق لديهم حالة خضوع نفسي له جعلت بعضهم لا يدرك طبيعة ما تعرض له إلا بعد مرور سنوات طويلة، بل إن بعضهم ظل يشعر بنوع من الامتنان والارتباط العاطفي بالمعتدي.
ولم تتوقف هذه القضية عند حدود الجرائم الجنسية فقط، حيث أن المتهم اعترف أيضا بارتكاب جريمتي قتل، حسب ما أكدته المعطيات التي أوردتها التقارير الإعلامية سالفة الذكر، فقد أقر لوفوغل بأنه قام سنة 1974 بخنق والدته بواسطة وسادة في مدينة Maisons-Laffitte بفرنسا، بمبرر إنهاء معاناتها مع المرض، كما اعترف بقتل خالته، التي كانت تبلغ من العمر 92 سنة، في سويسرا بالطريقة نفسها سنة 1992.
وبرر المتهم هاتين الجريمتين برغبته في “منح الضحيتين موتا رحيما”، وهو ما اعتبرته النيابة اعترافات خطيرة تنضاف إلى سجله الجنائي الثقيل.
وحسب المعطيات الرسمية، فقد تمكنت السلطات القضائية من التعرف على 40 ضحية فقط من أصل 89، بينما لا تزال هوية باقي ضحاياه من القاصرين مجهولة، ما دفع النيابة العامة في غرونوبل إلى إطلاق نداء دولي للشهود، خاصة في البلدان التي أقام فيها المتهم لفترات طويلة، وعلى رأسها المغرب.
ويخضع جاك لوفوغل حاليا للحبس الاحتياطي منذ أبريل 2025، بعد خرقه شروط الإقامة الجبرية، في وقت تؤكد فيه النيابة العامة أن العدالة الفرنسية تسابق الزمن بسبب سن المتهم وخطر تقادم بعض الجرائم، كما قال أحد المحققين إن هذا الملف يعد: “من أخطر قضايا الاعتداء الجنسي على القاصرين في فرنسا من حيث عدد الضحايا وطول الفترة الزمنية للجرائم”.

