بقلم: أشرف بولمقوس – باحث في العلوم السياسية
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في منطقة استراتيجية من العالم، تعود أسعار المحروقات لتتصدر واجهة القلق اليومي للمواطنين. وما يحدث اليوم في سياق الحرب في إيران ليس استثناءً، بل حلقة جديدة تؤكد أن سوق الطاقة لم يعد مجرد مجال اقتصادي محكوم بآليات العرض والطلب، بل أضحى رهينة توازنات جيوسياسية معقدة. هذا المعطى، على أهميته لا يعفي من مساءلة ما هو داخلي: هل نحن إزاء أثر خارجي خالص، أم أمام تضاعف للأزمة بفعل اختيارات تدبيرية محددة؟
من زاوية الاقتصاد السياسي، تظل بنية التبعية الطاقية عاملاً حاسمًا في تفسير قابلية الاقتصاد المغربي لامتصاص الصدمات أو الانكشاف عليها. فبلد يعتمد على الاستيراد في مادة استراتيجية كالمحروقات، يظل موضوعيًا في موقع هش أمام تقلبات الأسواق الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمناطق ذات حساسية جيوستراتيجية عالية. لكن الانتقال من هذا المعطى البنيوي إلى تبرير شامل لارتفاع الأسعار يمثل قفزًا تفسيرياً يغفل دور السياسات العمومية في تأطير الأثر وتوزيعه و دور الحكومة طبعا و مسؤولية باقي الفاعلين.
من حيث الأصل كان يجب أن ينتج تحرير أسعار المحروقات إرساء منطق اقصاد السوق، اي كان يفترض، نظريًا، أن يُنتج منافسة فعالة ويؤدي إلى عقلنة الأسعار. غير أن التجربة أبانت عن فجوة بين منطق التحرير ومتطلبات التنظيم، حيث لم تُستكمل الشروط المؤسساتية الكفيلة بضبط السوق، سواء من حيث الشفافية في بنية الأسعار، أو من حيث فعالية آليات المراقبة ومنع التمركز. ونتيجة لذلك، انتقل عبء التقلبات الخارجية بشكل شبه مباشر إلى المستهلك، في غياب أدوات تخفيف قادرة على توزيع الكلفة بشكل أكثر عدلاً.
لانه حتى داخل اقتصاد السوق لا تنعدم هوامش تدخل الدولة، فالتجارب المقارنة تُظهر أن الحكومات تلجأ، في لحظات الأزمات، إلى حزمة أدوات تتراوح بين التخفيف الظرفي للعبء الضريبي، تقليص هوامش الربح، إلى جانب اعتماد سياسات تواصلية قائمة على كشف مكونات السعر وهوامش الربح. و هو ما يغيب تماما بالنسبة لحكومتنا، رغم ان رئيسها على دراية بسوق المحروقات، بل هو المستثمر الأول فيه، و هنا الأسئلة كثيرة واضحة، و الأجوبة واضحة، الا سؤال واحد لم يطرح و لم تتم الإجابة عليه، سؤال لينين: ما العمل ؟ .
هذا ظرفيا، اما على المدى البعيد، فالمغرب ملزك بتسريع الانتقال الطاقي نحو مصادر بديلة لانه لم يعد خيارًا استراتيجيًا مؤجلًا، بل ضرورة آنية لتقليص درجة الارتهان للأسواق الدولية. بهذا المعنى، لا يقتصر دور الدولة على التدخل الظرفي، بل يمتد إلى إعادة توجيه البنية الاقتصادية في اتجاه قدر أكبر من السيادة الطاقية والمرونة.
غير أن الملاحَظ في الحالة المغربية هو محدودية التفاعل العمومي مع هذه التحولات، سواء على مستوى الاستباق أو على مستوى النجاعة. فخطاب الإحالة شبه الحصرية على العوامل الخارجية، دون مواكبته بإجراءات ملموسة، يشي بنوع من الانكفاء التدبيري الذي يطرح إشكال المسؤولية السياسية. ذلك أن وظيفة السياسات العمومية لا تختزل في تفسير الظواهر، بل في تقليص كلفتها الاجتماعية، وضمان حد أدنى من العدالة في توزيع آثارها، خاصة عندما تتحول إلى ضغط مستمر على القدرة الشرائية.
إن ما تكشفه أزمة المحروقات الراهنة هو أن التفاعل بين الجيوسياسي والوطني لا يُنتج أثرًا واحدًا بالضرورة، بل تتحدد نتائجه وفق جودة الاختيارات العمومية. وبين حتمية السوق وإمكانات التدبير، يتقرر حجم الكلفة التي يتحملها المواطن. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في مواكبة الأزمات، بل في إعادة بناء نموذج تدبيري، لإرساء توازن أكثر إنصافًا بين مقتضيات النجاعة الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
إن تجاهل هذا البعد لا يهدد فقط التوازنات الاجتماعية، بل يضعف منسوب الثقة الوطنية ويغذي أشكالًا صامتة من الاحتقان الاجتماعي، قد لا تُعبّر عن نفسها بشكل مباشر لكنها تتراكم في الوعي الجماعي وتنعكس في المواقف والسلوكيات. وهو ما قد يفضي إلى إعادة تشكيل السلوك الانتخابي على أساس معيش يومي ضاغط،.
ما حدث في كل الازمات خلال ولاية هذه الحكومة، يثبت مرة أخرى، أننا لسنا في حاجة إلى كفاءات تقنية قادرة على قراءة الأرقام، و التدبير الإداري، بل إلى رجال دولة يمتلكون حسًا سياسيًا واجتماعيًا عاليًا، قادرين على التواصل الصادق مع المواطنين، وتأطير النقاش العمومي، واقتراح حلول اقتصادية واقعية تُترجم إلى أثر ملموس في الحياة اليومية.
إن المرحلة المقبلة، خاصة بعد الانتخابات، ستتطلب حكومة بنفس اجتماعي واضح، والقدرة على الإنصات والتواصل، لأن التحدي لم يعد تقنيًا صرفًا، بل أصبح سياسيًا بامتياز: كيف يمكن استعادة الثقة؟ كيف يمكن تخفيف الاحتقان؟ أي بناء لاي تعاقد اجتماعي جديد؟ ما الذي يجعل المواطن شريكًا في تحمل الكلفة بشكل ديمقراطي؟ لا مجرد متحمل لها بشكل ضريبي. وبين كل هذه الاسئلة، يتحدد ليس فقط مسار الأسعار، بل أيضًا اتجاهات الاختيار الديمقراطي.

