أكد عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، أن التوترات العسكرية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، في ظل المواجهة غير المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، لا يمكن مقاربتها علميا باعتبارها حربا دينية أو حضارية، بل هي صراع تحكمه اعتبارات المصالح والتوازنات الدولية.
وأوضح البلعمشي، خلال مداخلة له بندوة نظمها مختبر الأبحاث في القانون العام والدراسات القانونية والسياسية، أن طبيعة هذا النزاع تظل “متحركة” وغير مستقرة، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمآلاته أو نتائجه النهائية، رغم أن تداعياته بدأت تتضح من خلال مواقف الدول والقرارات المتخذة إلى حدود الآن.
وأضاف أن النقاش الدائر، خاصة في الإعلام العربي ومنطقة الخليج، يعكس تعدد التأويلات، حيث يتم توصيف هذا الصراع تارة كحرب حضارية، وتارة كحرب دينية أو صراع نفوذ إقليمي، غير أن تحليل خلفياته وسلوك الفاعلين الرئيسيين يكشف أن منطق المصالح هو المحدد الأساسي.
وشدد على أن فرضية “الحرب الدينية” لا تصمد أمام القراءة العلمية، مستدلا بوجود انقسامات داخل العالم الإسلامي نفسه، حيث تتباين مواقف الدول والتيارات بين مؤيد ومعارض، بما ينفي أي اصطفاف ديني واضح، ويعزز فرضية الصراع الجيوسياسي.
وفي مقابل ذلك، سجل البلعمشي غيابا لافتا للمؤسسات الدولية في تدبير هذه التوترات، مشيرا إلى محدودية تدخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية القانون الدولي وآليات إدارة النزاعات، في ظل بطء المساطر وتعقيد توازنات اتخاذ القرار.
واعتبر أن النظام الدولي الحالي، الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، لم يعد يعكس موازين القوى الجديدة، لافتا إلى تصاعد الدعوات لإصلاح مجلس الأمن وتوسيع تمثيليته لتشمل قوى صاعدة مثل ألمانيا واليابان، إضافة إلى تعزيز تمثيلية القارة الإفريقية.
كما أشار إلى بروز أفكار لإحداث آليات بديلة لتدبير النزاعات الدولية، في ظل ما وصفه بأزمة بنيوية داخل المنظومة الأممية، مع استمرار التأكيد الرسمي على مركزية الأمم المتحدة كإطار شرعي.
وعلى المستوى الإقليمي، أبرز المتحدث غياب تفعيل آليات الدفاع المشترك داخل مجلس التعاون الخليجي، رغم وجود اتفاقيات في هذا المجال، ملاحظا أن تعاطي دول المنطقة مع التهديدات تم بشكل فردي، ما يعكس محدودية التنسيق الجماعي.
وفي قراءته النظرية، اعتبر البلعمشي أن أطروحتي فرانسيس فوكوياما وصامويل هنتنغتون لم تعودا قادرتين على تفسير التحولات الجارية، في ظل تفكك التحالفات التقليدية، مشيرا إلى أن إيران لم تحظ بدعم واضح من حلفاء مفترضين مثل روسيا والصين.
وبخصوص الموقف المغربي، أوضح البلعمشي أن المغرب يعتمد مقاربة براغماتية قائمة على توازن التحالفات، مبرزا متانة علاقاته مع دول الخليج، مقابل توتر علاقاته مع إيران، خاصة في ما يرتبط بالقضية الوطنية.
واعتبر أن التحولات الجارية تفرض إعادة التفكير في أسس العلاقات الدولية، مؤكدا أن بناء التحالفات لم يعد رهينا فقط بالقوة العسكرية، بل بحسن التموقع الاستراتيجي واختيار الشركاء وفق منطق واقعي يخدم المصالح الوطنية.

