اعتبر عصام الإبراهيمي، رئيس المركز المتوسطي للدراسات والبحوث في القانون الرياضي، أن النزاع المرتبط بالمباراة النهائية بين المغرب والسنغال يكتسي طابعا استثنائيا في تاريخ التحكيم الرياضي، نظرا لغياب أي سابقة مماثلة يمكن القياس عليها بشكل مباشر، مؤكدا أن الحسم فيه سيتوقف على استحضار المبادئ العامة التي أرستها محكمة التحكيم الرياضي عبر سوابق قضائية متقاربة.
وأوضح الإبراهيمي، في مداخلته خلال الندوة التي نظمها قطاع المحاماة لحزب التقدم والاشتراكية حول القضاء الرياضي الدولي وتسوية النزاعات، أن هذه النازلة تختلف عن القضايا السابقة، رغم إمكانية الاستئناس بثلاث محطات بارزة في فقه القضاء الرياضي، تشمل قضية ألبانيا وصربيا في تصفيات كأس أوروبا، وملف الوداد والترجي، إضافة إلى مباراة السنغال وجنوب إفريقيا، مشيرا إلى أن هذه السوابق تمكن من استنباط ما يعرف بمبادئ “ليكس سبورتيفا”، وهي منظومة قواعد غير مدونة راكمتها “الطاس” منذ سنة 1994.
وأكد المتحدث أن هذه المبادئ تقوم على ما يعرف بوحدة العمل القضائي، حيث تعتمد المحكمة بشكل منهجي على سوابقها في الفصل في النزاعات، مضيفا أن الجدل القائم حاليا يعكس انقساما قانونيا واضحا بين اتجاه يدعو إلى التطبيق الحرفي للنصوص التنظيمية، خاصة الفصلين 82 و84، واتجاه آخر يعتبر أن ما وقع لا يتجاوز كونه توقفا مؤقتا للمباراة.
وفي الجانب الإجرائي، شدد الإبراهيمي على أن غياب قرار معلل صادر عن لجنة الاستئناف التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم يعد نقطة حاسمة، إذ أن جميع الإجراءات أمام محكمة التحكيم الرياضي تظل معلقة إلى حين التوصل بهذا القرار، الذي يشكل الأساس لانطلاق الآجال القانونية، سواء لتقديم الطعون أو لتشكيل الهيئة التحكيمية المختصة.
وفي عرضه للمبادئ المؤطرة لاجتهادات “الطاس”، أبرز الإبراهيمي مبدأ “الاختصاص الرياضي الواسع”، الذي يخول للمحكمة النظر في النزاعات الرياضية استنادا إلى شرط تحكيمي منصوص عليه في الأنظمة الأساسية للاتحادات، موضحا أن هذا الاختصاص لا يمتد بشكل مطلق إلى كل ما يقع داخل الملعب، بل يميز بين القرارات التحكيمية الميدانية التي تخضع للسلطة التقديرية للحكم، وبين القضايا التنظيمية التي تمس مشروعية النتيجة أو سلامة المنافسة.
كما توقف عند مبدأ “المراجعة الكاملة”، الذي يعد من أبرز خصوصيات القضاء الرياضي، حيث يسمح بإعادة نشر النزاع من جديد أمام المحكمة، مع إمكانية الاستماع إلى جميع الأطراف واستدعاء الشهود والاعتماد على مختلف وسائل الإثبات، في إطار مبدأ حرية الإثبات المعتمد في القانون الرياضي، معتبرا أن هذا المبدأ يفتح الباب أمام إعادة فحص شامل لكل عناصر الملف، بما في ذلك تصريحات الحكام ومندوبي المباريات ومسؤولي الأمن.
وسلط الإبراهيمي الضوء على مبدأ “السلطة الحصرية للحكم داخل الملعب”، المنصوص عليه في قانون اللعبة، والذي يمنح الحكم صلاحيات واسعة تشمل إيقاف المباراة أو تعليقها أو إنهاءها، وفق تقديره للظروف المحيطة بها. غير أنه بالمقابل، شدد على مبدأ آخر مكمل، يتمثل في عدم افتراض انسحاب أي فريق إلا بناء على سلوك واضح وأمر تحكيمي صريح ومباشر وغير مشروط.
واستدل في هذا السياق بقضية ألبانيا وصربيا، حيث أعادت “الطاس” تقييم الوقائع، واعتبرت أن قرار استئناف المباراة يجب أن يكون واضحا وغير مشروط، وهو ما لم يتوفر في تلك النازلة، ما أدى إلى تعديل القرار الأولي، حيث خلص إلى أن هذا المبدأ قد يكون حاسما في تقييم أي ادعاء بالانسحاب في الحالة موضوع النقاش.
وأبرز الإبراهيمي مبدأ “الإسناد السببي”، الذي يفرض على المحكمة تحديد السبب القانوني المباشر الذي أدى إلى عدم استكمال المباراة أو فساد نتيجتها، مؤكدا أن الأمر يتعلق بمدى تأثيره الفعلي على مجريات اللقاء.
كما استحضر مبدأ حماية نزاهة المسابقة والحقيقة الرياضية، مستشهدا بقضية السنغال وجنوب إفريقيا، حيث تم إثبات تلاعب تحكيمي، ما دفع “الطاس” إلى تأييد قرار إعادة المباراة، حيث أوضح أن هذه القضية أفرزت مبدأً جديدا يتمثل في إمكانية قيام “مؤامرة فردية” من طرف الحكم، دون الحاجة لإثبات تواطؤ جماعي، وهو تطور مهم في فقه القضاء الرياضي.
وتطرق الإبراهيمي إلى فرضيات قانونية محتملة في النازلة الحالية، من بينها تأثير بعض القرارات التحكيمية على نتيجة المباراة، خاصة في حال ثبوت عدم تطبيق قوانين اللعبة بشكل سليم، مثل عدم إشهار بطاقات صفراء مستحقة في حق لاعبين. وأوضح أن مثل هذه الحالات، إذا ثبت تأثيرها المباشر على النتيجة، قد تبرر اللجوء إلى إعادة المباراة بدل الاكتفاء بإقرار الهزيمة الاعتبارية.
كما أشار إلى أن محكمة التحكيم الرياضي تستمد شرعيتها من القانون الدولي الخاص السويسري، باعتبارها هيئة تحكيم دولي، مشيرا إلى أنها تخضع في الآن ذاته لرقابة المحكمة الفيدرالية السويسرية، خاصة في ما يتعلق باحترام حقوق الدفاع والنظام العام.
وسلط المتحدث الضوء على خضوعها لتأثير اجتهادات محكمة العدل الأوروبية، التي تراقب مدى احترام القوانين الرياضية لمبادئ حرية المنافسة والتنقل، مستحضرا في هذا السياق قضايا بارزة مثل “بوسمان” و”لاسانا ديارا”.
وبناء على ذلك، خلص الإبراهيمي إلى أن مآل النزاع سيظل مرتبطا بصدور القرار المعلل من الجهات المختصة، وبمدى قدرة الأطراف على توظيف مبادئ “ليكس سبورتيفا” لإثبات مواقفها، في إطار مسطرة تحكيمية معقدة تحكمها سوابق قضائية دقيقة وتوازنات قانونية دقيقة.

