رحل المحامي الفرنسي موريس بوتان، اليوم الأحد 9 غشت، تاركا وراءه مسارا نضاليا امتد لعقود، ارتبط بشكل وثيق بالدفاع عن المناضلين المغاربة، وقضية المهدي بن بركة، إلى جانب انخراطه في الدفاع عن القضية الفلسطينية. حيث أجمع عدد من الذين عايشوا مساره على أنه كان من الشخصيات التي اختارت الوقوف إلى جانب المناضلين المغاربة في مراحل سياسية اتسمت بالتوتر والعنف وقوة ردود فعل السلطات.
وفي شهادة حول مسار الراحل، قال أحمد حبشي، العضو المؤسس لمركز محمد بنسعيد آيت يدر بالدار البيضاء، إن بوتان كان من بين الشخصيات التي وقفت إلى جانب المناضلين المغاربة خلال فترة الاستعمار وبعد الاستقلال، ولا سيما عقب اختطاف واغتيال المهدي بن بركة.
كان من أبطال المرحلة
وأوضح حبشي في تصريح لـ”سفيركم” أن مركز محمد بنسعيد آيت يدر استقبل بوتان بالدار البيضاء في لقاء نظم تكريما له ولعمله النضالي، في مناسبة شكلت، حسب شهادته، فرصة للتنويه بشجاعته ومواقفه خلال مراحل تاريخية صعبة.
وأشار إلى أن العلاقة التي جمعت موريس بوتان بمحمد بنسعيد آيت يدر تعود إلى الفترة التي عاش فيها الأخير في فرنسا. حيث كان قريبا من أجواء المناضلين المعارضين والمتضامنين مع المهدي بن بركة. وهو السياق الذي ساهم، وفق حبشي، في التعريف ببوتان لدى أجيال لاحقة من المناضلين.
واعتبر حبشي أن موريس بوتان كان “من أبطال المرحلة”. بالنظر إلى شجاعته في الوقوف إلى جانب المناضلين. موضحا أنه لم يكتف بالمواقف التضامنية، بل كان يحاول ويساهم بشكل مباشر في المرافعات والدفاع عن المعتقلين المعارضين.
مطلع على السياسات المغربية
من جانبه، استحضر إبراهيم أوشلح، القيادي السابق في حركة “الاختيار الثوري”. مسار موريس بوتان باعتباره نموذجا لما وصفه بـ”الديمومة في العمل” النضالي والحقوقي.
وقال أوشلح في تصريح لـ”سفيركم” إن بوتان أخذ على عاتقه الدفاع عن المهدي بن بركة منذ سنة 1965، بعد اختطاف الأخير في 29 أكتوبر من السنة نفسها. مؤكدا أن المحامي الفرنسي لم يتخل عن هذا الملف منذ ذلك التاريخ إلى قرب وفاته.
وأوضح أوشلح أنه تعرف على بوتان في مناسبات عدة، وكانت لهما لقاءات ونقاشات مباشرة، تحدث خلالها الراحل عن حياته في مدينة مكناس وعن المرحلة التي عايش فيها استقلال المغرب. كما أشار إلى أن بوتان كان محاميا في كل من مكناس والرباط، وهو ما أتاح له الاطلاع عن قرب على السياسة المغربية وعلى نضالات جيش التحرير والاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وأكد أوشلح أن بوتان كان من أكثر المحامين إلماما بشخصية المهدي بن بركة، ودوره في المغرب، وموقعه داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. معتبرا أن معرفته بهذه التفاصيل جعلته مرتبطا بشكل عميق بملف بن بركة وبالسياق السياسي الذي أحاط به.
وكان بوتان، وفق شهادة أوشلح، يحضر سنويا الوقفة التي تنظم في 29 أكتوبر في المكان الذي اختطف فيه المهدي بن بركة سنة 1965. كما كتب كثيرا حول القضية.
ولم يقتصر حضور المحامي الفرنسي على قضية بن بركة، إذ كان، وفق أوشلح، حاضرا بشكل مستمر في مختلف المناسبات التي تنظمها التنظيمات المغربية لحقوق الإنسان في الخارج. سواء تعلق الأمر باللقاءات النضالية أو التذكارية أو المطلبية.
كما كان يرافق وفود المنظمات المغربية إلى الجهات الرسمية. مستفيدا من صفته كمحام مسجل في باريس. وكان مستعدا دائما للقيام بهذا الدور، إلى جانب زوجته، وفق شهادة أوشلح.
جمعية الصداقة الفرنسية الفلسطينية
وامتد انخراط بوتان كذلك إلى القضية الفلسطينية، حيث كان، حسب أوشلح، أحد مؤسسي جمعية فرنسية للصداقة الفلسطينية من أجل السلام. ضمت شخصيات عدة. وانخرط الراحل من خلالها في الدفاع عن القضية الفلسطينية، كما عمل على إصدار دورية حولها. تضمنت تحليلات ولقاءات مع قيادات فلسطينية وشخصيات فرنسية.
وأشار أوشلح إلى أن هذه الدورية كانت تتطلب جهدا كبيرا، بالنظر إلى طبيعتها ومضامينها. وأنها كان لها صدى في الأوساط الفرنسية. في وقت كان فيه بوتان يمثل، في نظره، وجها فرنسيا نضاليا مرتبطا أيضا بالقضايا المغربية.
لقاء مع رئيس الجمهورية
وأضاف أن مكانة بوتان وعلاقاته جعلته قادرا على الوصول إلى مستويات رسمية عليا، إذ كان يستطيع الاتصال هاتفيا وطلب لقاء مع وزير العدل. بل ومع رئيس الجمهورية الفرنسية. وهو ما يعكس، وفق الشهادة، طبيعة الحضور الذي كان يتمتع به داخل الأوساط الفرنسية.
ورغم هذا الحضور، وصف أوشلح موريس بوتان بأنه كان رجلا متواضعا للغاية ودؤوبا في عمله. مشددا على أن تواضعه واستمراره في الدفاع عن القضايا التي آمن بها شكلا جانبا أساسيا من شخصيته.


