اعتبر محمد حفيظ أن أحداث سبتة التي شهدتها المنطقة يومي 30 و31 يوليوز 2026. كشفت الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الاستقرار بالمغرب. مؤكدا أن اختزال الاستقرار في استمرارية النظام وقوة المؤسسات لا يكفي لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المجتمع المغربي.
وقال حفيظ، خلال استضافته من طرف «نادي الحوار السياسي» الذي تحتضنه مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، في حلقته ليوم الثلاثاء 1 شتنبر 2026 بسلا. إن حجم الاندفاع الجماعي نحو سبتة يجعل من المشروع قراءة الحدث باعتباره مؤشرا اجتماعيا وسياسيا يتجاوز مسألة الهجرة غير النظامية. بالنظر إلى ما يمكن أن يعكسه من فقر وهشاشة اجتماعية وقلة فرص الشغل وانسداد في الأفق.
من «المفهوم الجديد للسلطة» إلى سؤال الاستقرار
واستحضر حفيظ دعوة الملك محمد السادس، في بداية عهده، إلى «مفهوم جديد للسلطة». وقال إن الملك بتلك الدعوة كان يعبر عن موقف من مفهوم للسلطة كان سائدا في عهد والده الملك الحسن الثاني. ويدعو إلى اعتماد مفهوم جديد مختلف عنه. وتساءل: ماذا تحقق من ذلك المفهوم الذي بُشِّر به قبل 27 سنة؟ وهل وجد طريقه فعلا إلى الممارسة وعلى أرض الواقع؟
وجوابا عن هذا السؤال، قال حفيظ إنه، وهو يتابع ما حدث في سبتة وما أعقبه، لم يلمس هذا المفهوم الجديد للسلطة. لا في التعامل مع ما حدث خلال يومي 30 و31 يوليوز، ولا في التفاعل مع ما أعقب اليومين. ولا مع ارتداداته المستمرة إلى اليوم، التي تجاوزت قضية الهجرة إلى قضايا يتجمع فيها، بشكل أخطبوطي. ما هو اجتماعي واقتصادي وأمني وحقوقي وسياسي ودبلوماسي وسيادي.
وقال الأستاذ الجامعي إن أحداث سبتة وما أعقبها جعلته يعود إلى سؤال «أين الدولة؟». معتبرا أن غياب المعلومات والتفسيرات والتواصل المؤسساتي الجاد بشأن ما وقع، وعدم تحمل الدولة والحكومة لمسؤولياتهما السياسية والإنسانية والأخلاقية، يجعلنا نشعر كما لو أننا نعيش بلا دولة. وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الاستقرار الذي يتم الحديث عنه.
وربط المتحدث ذلك بخطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2026، الذي وردت فيه كلمة «الاستقرار» أربع مرات. في الوقت الذي كان عشرات الآلاف من المغاربة يستعدون لتنفيذ ما وصفه بـ«أكبر عملية هروب جماعي من المغرب في عهد الملك محمد السادس».
واعتبر حفيظ أن هذا التزامن بين خطاب رسمي يتحدث عن الاستقرار ومشهد جماعي للهروب نحو الخارج يستدعي التمييز بين الاستقرار السياسي والاستقرار الاجتماعي. متسائلا: هل يمكن أن نتحدث عن استقرار سياسي من دون أن يُوازيَه استقرار اجتماعي؟ أو على الأقل من دون أن ينتج عنه استقرار اجتماعي؟
وأوضح الباحث الأكاديمي أن المغرب يتمتع بدرجة معينة من الاستقرار السياسي والمؤسسي، في ظل استمرارية النظام ومؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات. لكنه شدد على أن هذا المعطى لا يلغي وجود توترات اجتماعية عميقة مرتبطة بالتفاوتات الحادة، والشعور بغياب العدالة والإنصاف. وضعف فرص الشغل، والنقص في توفير الخدمات الأساسية، وتراجع الثقة في المؤسسات…
الاحتجاج والثقة ومفارقة القوة والمسؤولية
واستعرض حفيظ عددا من أبرز الاحتجاجات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، من احتجاجات سيدي إفني وحركة 20 فبراير إلى حراك الريف وجرادة، وحملة المقاطعة، وصولا إلى احتجاجات «جيل زد». معتبرا أن هذه المحطات تكشف عن استمرار مطالب اجتماعية وسياسية مرتبطة بالتشغيل والصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد.
وأكد المتحدث أن الاحتجاج في حد ذاته ليس نقيضا للاستقرار، لأن الإشكال، في نظره. يرتبط بقدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب ومعالجة أسباب الاحتجاج. فإذا استجابت المؤسسات وتم إصلاح الاختلالات. يمكن أن يصبح الاحتجاج آلية من آليات الاستقرار، بينما يؤدي تكرار الاحتجاجات والمطالب دون حلول مقنعة إلى تراكم الاستياء وتراجع الثقة.
وتوقف حفيظ عند أزمة الثقة في الأحزاب والانتخابات والبرلمان والحكومة وباقي المؤسسات المنتخبة. معتبرا أن استمرار هذه الأزمة يطرح إشكالا خاصا في الحالة المغربية بسبب مركزية المَلَكية في النظام السياسي المغربي.
وفي هذا السياق، طرح ما سماه «مفارقة القوة والمسؤولية»، موضحا أن المواطنين عندما يفقدون الثقة في الحكومة والبرلمان والأحزاب والمنتخبين، سيتوجهون إلى الملك باعتباره «الملاذ الأخير». وهنا، يقول حفيظ، يبدأ المسار الذي يبرز هذه المفارقة التي تفرض علينا أن نعيد النظر في مفهوم الاستقرار كما يتمثله النظام نفسُه ومن يشاطره هذا التمثل.
يبدأ الأمر بتوجه المواطنين إلى «المَلَكية كملاذ»، وبهذا تصبح، في نظرهم، السلطة القادرة على حل كل شيء. وهذا يؤدي إلى ما سماه «انتقال المسؤولية» بتحميل الملكية مسؤولية حل مختلف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها. ثم تنتقل هذه النظرة، بعد ذلك. من تحميل الملكية القدرة على الحل إلى تحميلها مسؤولية النتائج؛ فتواجه أزمة المسؤولية مقابل القوة يقول محمد حفيظ.
وبحسب حفيظ، فإن ما قد يبدو في البداية مصدر قوة للملكية يمكن أن يتحول على المدى الطويل، خصوصا إذا استمرت الأحزاب والمؤسسات المنتخبة في فقدان قدرتها على تمثيل المواطنين فعليا ومعالجة مشكلاتهم. إلى مصدر ضغط ومسؤولية، وقد تُواجه هي الأخرى تحدي الثقة. وهنا، يقول المتحدث، تكمن المفارقة المشار إليها، مستخلصا أن الاستقرار السياسي في المغرب لا يمكن قياسه فقط بقوة الملكية.
نحو “استقرار مستدام”
وقال حفيظ إنه لا يقصد بالدعوة إلى مفهوم جديد للاستقرار إلغاء المدلول التقليدي السائد الذي يختزل الاستقرار في بعد واحد عندما يحصره في «السياسي والمؤسسي». وإنما يقصد توسيعَ المدلول وتجاوز التصور السائد إلى تصور متعدد الأبعاد يشمل الاستقرار السياسي والمؤسسي والاجتماعي.
واعتبر الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء أن المفهوم الذي يمكن أن يتضمن مختلف هذه الأبعاد هو «الاستقرار المستدام». فهو، في رأيه، مفهوم يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد السياسية والمؤسسية والاجتماعية، إلى جانب تجدد الشرعية، أي شعور المواطنين بأن النظام والمؤسسات تمثلهم. وهو بذلك لا يقف عند استمرارية النظام أو قوة السلطة المركزية. وإنما ينظر أيضا إلى قدرة الدولة على الاستجابة للتحولات والمطالب، والثقة في المؤسسات، وتماسك المجتمع. ويرى، في إطار المقارنة، أنه إذا كان الاستقرار السياسي يحيل إلى استقرار “النظام والدولة”، فإن الاستقرار المستدام يحيل إلى استقرار “المجتمع والدولة”.
من “الخروج إلى الشارع” إلى “الخروج من البلد”
وفي قراءته لأحداث سبتة، رأى حفيظ أن الهروب الجماعي يضيف شكلا جديدا إلى التعبير عن الأزمة، يتمثل في الانتقال من «الخروج إلى الشارع» إلى «الخروج من البلد»، ومن «اللجوء إلى الملك» إلى «اللجوء إلى الخارج».
وقال حفيظ إن الشخص الذي يخرج إلى الشارع ليحتج يقول للدولة: «أريد تغيير شيء هنا». بينما الشخص الذي يخاطر بحياته من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى يبعث، عمليا، رسالة إلى الدولة والمجتمع يقول فيها: «لم أعد أرى مستقبلي هنا».
ومن هنا، يرى أن أحداث سبتة تطرح أمامنا مؤشرا جديدا يتعلق بما سماه «استقرار الأفق». ويقصد به درجة شعور المواطنين بأن لديهم مستقبلا ممكنا وقابلا للتحقق داخل وطنهم. وبأن تحسين أوضاعهم ممكن من داخل البلد، سواء بتوافر شروط ذلك، أو بإمكان تغييرها والمطالبة بتحسينها. بما في ذلك عبر الاحتجاج. وبهذا المعنى، يستنتج حفيظ، فإن الاستقرار ليس مجرد غياب الاضطراب، بل هو أيضا وجود أفق.
ودعا المتحدث، في ختام مداخلته. إلى حوار وطني مجتمعي يمكن أن يفضي إلى صياغة عقد اجتماعي جديد أو تجديد العقد القائم. وفي إطار هذا التجديد، يقول حفيظ، نجدد أيضا مفهومنا للاستقرار. لأن الاستقرار الذي نحتاجه ليس فقط استقرار الدولة في مواجهة المجتمع، وإنما استقرار الدولة والمجتمع معا.


