لم تبدأ موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز بشكل مفاجئ. فوفق ما أكده تقرير حديث للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان. فقد سبقتها خلال أسابيع مؤشرات متزايدة على ارتفاع وتيرة محاولات العبور، بالتوازي مع انتشار واسع لمضامين رقمية تتناول طرق الوصول إلى المدينة وقواعد التعامل مع الوافدين. فيما ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في توسيع دائرة المهتمين بالعبور وتسريع انتقال المعلومة والتجارب بين الراغبين في الوصول إلى الضفة الأخرى.
وخلص التقرير الحقوقي التركيبي، الذي اعتمد على المعاينات الميدانية والتقارير الرسمية والإعلامية ومصادر أخرى. إلى أن الظاهرة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل نتجت عن تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية، وتحولات في تطلعات بعض الشباب. ومضامين رقمية مضللة أو غير دقيقة، إلى جانب تأويلات متداولة لحكم قضائي إسباني وإمكانية استغلال بعض الشبكات أو الوسطاء لهذه الوضعية.
من شاشة الهاتف إلى الحدود
وأشار التقرير الذي تم الإعلان عنه، يومه الأربعاء 2 شتنبر، إلى أن هذه الدينامية بدأت منذ يونيو، قبل أن تتخذ منحى أكثر وضوحا خلال يوليوز. وبين 8 و13 يوليوز. حيث رصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان انتشار تأويلات مضللة عبر منصات رقمية بشأن قرار قضائي إسباني. قدمت بعض المضامين هذا القرار على أنه يعني منع الإعادة الفورية وفتح الحدود أمام الراغبين في الوصول إلى سبتة.
وبين 14 و19 يوليوز، تم وفق التقرير، تسجيل، محاولات جماعية متكررة في مناطق من بينها الناظور وتاراخال وبليونش. فيما أشارت المعطيات الرسمية الإسبانية إلى نحو 1500 حالة عبور أو محاولة عبور نحو سبتة خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 27 يوليوز.
وفي هذا السياق، برزت شبكات التواصل باعتبارها فضاء لتداول المعلومات. لكنها تحولت أيضا إلى قناة لنشر روايات غير دقيقة حول الحدود وإمكان العبور.
ووفق التقرير، فقد رصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان نشاطا مكثفا لـ23 مجموعة على فيسبوك، ضمت مجتمعة أكثر من مليون عضو. إلى جانب انتشار محتويات على إكس وإنستغرام وتيك توك وتطبيقات التراسل. كما انتشرت أخبار تفيد بأن “الحدود مفتوحة”. وهو ما ساهم في جذب أعداد متزايدة من الشباب والقاصرين والعائلات إلى المنطقة.
صورة واحدة تحولت إلى رسالة جماعية
في 17 يوليوز، أفاد المصدر ذاته، أن البحرية الملكية المغربية أوقفت محاولة جماعية لأشخاص كانوا يحاولون الوصول سباحة إلى سبتة. فيما سجل يوم 19 يوليوز توقيف محاولة أخرى قوامها نحو 200 شخص عبر تاراخال وبليونش.
لكن التطور الأكثر دلالة جاء في 28 يوليوز، عندما تمكنت مجموعة تجاوز عدد أفرادها مائة شخص من الوصول إلى سبتة. من بينهم شابة من العرائش. وانتشرت صورتها رفقة صديقتها داخل المدينة على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وكشف التقرير أن الصورة أصبحت إحدى المواد التي استعملت في الترويج لتأويلات غير دقيقة بشأن الحكم القضائي الإسباني وإمكان العبور.
وهنا، تحولت تجربتها الفردية، والصورة المتداولة إلى مادة قابلة لإنتاج توقع جماعي. خصوصا عندما تقترن بمعلومات عن طرق العبور أو ادعاءات بشأن تغير قواعد الإعادة.
من تجربة فردية إلى تعبئة جماعية
وأكد التقرير أن التحركات المرصودة، لم تقتصر على أشخاص موجودين أصلا في المناطق الحدودية. فقد أظهرت المعطيات وجود شباب وقاصرين وأطفال ونساء وأسر. قدم بعضهم من مدن ومناطق مختلفة من المغرب، ما كشف توسع دائرة المشاركين ومجال انطلاقهم.
وفي الوقت نفسه، أفادت مصادر أمنية نقلت عنها وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” بأن أكثر من 70 شخصا تمكنوا، في إحدى المحاولات، من الوصول إلى المدينة. بينما أحبطت السلطات المغربية أكثر من 200 محاولة أخرى.
وهذه المعطيات كشفت أن الطريق البحري نحو سبتة لم يظهر يوم 30 يوليوز. وإنما جرى اختباره بصورة متكررة خلال الأيام السابقة.
وبذلك، لعبت المنصات الرقمية دورا في ربط وقائع متفرقة وتحويلها إلى معرفة مشتركة بين أشخاص لا يجمعهم بالضرورة المكان نفسه. قبل أن يلتقوا في المناطق الحدودية.
حين تصبح المعلومة وقودا للحركة
ولم تعد قرارات الهجرة والعبور مرتبطة فقط بالظروف الاقتصادية المباشرة، وفق التقرير. بل أصبحت تتأثر أيضا بالمعلومات المتداولة على المنصات الرقمية. وبصور وتجارب أشخاص سبق لهم الوصول إلى الضفة الأخرى. وبالتوقعات التي تنتجها شبكات التواصل الاجتماعي.
وتكمن أهمية هذا العامل في سرعة انتقال المعلومة. وفي قدرة المنصات على تحويل حدث محدود إلى مادة يشاهدها آلاف أو مئات الآلاف في وقت قصير.
كما أن المعلومات المضللة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون دقيقة حتى تؤثر في السلوك؛ إذ يكفي أن تخلق لدى المتلقي انطباعا بأن فرص العبور أصبحت أكبر. أو أن قواعد الإعادة تغيرت، أو أن آخرين نجحوا في الوصول. حتى تتحول المعلومة إلى محفز لاتخاذ القرار.
الشبكات الاجتماعية لا تفسر وحدها موجة العبو
ورغم قوة العامل الرقمي، شدد التقرير على أن اختزال ما حدث في “التعبئة عبر الإنترنت” سيكون تبسيطا لظاهرة أكثر تعقيدا.
فقد تداخلت البطالة والهشاشة وتراجع فرص الاندماج والارتقاء الاجتماعي مع تحولات في تطلعات بعض الشباب. إلى جانب تداول المعلومات والصور والتجارب عبر شبكات التواصل، وانتشار مضامين مضللة أو غير دقيقة. فضلا عن احتمال استغلال بعض الشبكات والوسطاء لهذه الوضعية. كما ساهمت التأويلات المتداولة للحكم القضائي الإسباني في إنتاج روايات عن إمكانية الدخول إلى سبتة.
وأكدت مصادر إسبانية رسمية وإعلامية أن هذه التأويلات كانت من بين العوامل التي ساهمت في رفع وتيرة التوافد. لكنها لم تكن، بمفردها، كافية لتفسير الظاهرة.


