دعا مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات السابق، إلى وقف الإضراب الشامل الذي يخوضه المحامون احتجاجا على القانون الجديد المنظم للمهنة، معتبرا أن استمراره لم يعد مجديا. وأوضح الرميد أن الإضراب بدأ منذ مرحلة مشروع القانون واستمر بعد المصادقة البرلمانية عليه وصدور الظهير الملكي القاضي بتنفيذه.
وأضاف وزير العدل السابق أن نشر القانون في الجريدة الرسمية يجعل مواصلة الإضراب أكثر صعوبة من حيث الجدوى. مشددا على أن الظرفية الانتخابية الحالية لا ينتظر معها أن يسفر الإضراب عن أي نتيجة تشريعية.
واعتبر مصطفى الرميد أن المنطق السليم يقتضي إيقاف الإضراب، على الأقل في المرحلة الحالية، إلى حين تشكيل الحكومة المقبلة وفتح حوار جديد معها. مشددا على أن مواصلة الإضراب في زمن الانتخابات البرلمانية لا يمكن أن تحقق الهدف المنتظر منها. مشيرا إلى أن المرحلة الحالية تشكل، “زمنا ميتا” من الناحية التشريعية. ومؤكدا أن الاستمرار في هذه الوضعية يعني، في تقديره، “الاستمرار في الحفر وتعميق الحفرة بدون فائدة”.
الرميد ينتقد النقاش حول القانون وغياب تحديد دقيق للمطالب
انتقد مصطفى الرميد طبيعة النقاش الذي رافق مشروع القانون، معتبرا أنه اتسم في بعض مراحله بالتجاوز والانفلات، خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال وزير العدل السابق إن بعض الفئات المهنية وصلت في خلافاتها مع المخالفين إلى حد توجيه إساءات بليغة إليهم. مشيرا إلى أن هذا الأسلوب لا يحترم الأعراف والتقاليد الرفيعة التي كانت محل تميز مهنة المحاماة وسموها. ومؤكدا في المقابل أن هناك محاميات ومحامين عقلاء يستحقون الدخول معهم في نقاش موضوعي ومفيد.
وأوضح مصطفى الرميد أن القانون خضع لعدة تعديلات خلال مساره التشريعي، جعلت منه قانونا آخر غير المشروع الذي تقدمت به وزارة العدل في البداية. وأضاف وزير العدل والحريات السابق أن هذه التعديلات تطرح سؤالا حول ما يقبله المحامون وما يرفضونه حاليا. مشيرا إلى أن كثيرا مما يسمعه ويقرأه من اعتراضات لا علاقة له، بحسب تقديره، بالنص الذي تمت المصادقة عليه. ومشددا على أن الاحتجاج ينبغي أن يرتبط بمقتضيات واضحة ومحددة من القانون.
وأكد الرميد أن القانون الجديد يتضمن بالفعل اختلالات عديدة تتطلب التعديل والإصلاح، لكنه لا يرى أنها تبرر استمرار الإضراب الشامل والمفتوح. مشيرا إلى إن الاختلالات المسجلة على النص لا تصل إلى درجة تستوجب مواصلة الإضراب بهذه الصيغة. و أن النضال من أجل تعديلها يمكن أن يستمر بأساليب ملائمة ودون اللجوء إلى الإضراب الشامل. ومشددا على ضرورة أن تبين الهيئات المهنية بشكل واضح المواد التي ما تزال محل اعتراض والمقتضيات التي تطالب بمراجعتها.
ولفت الرميد إلى أنه لم يطلع، بعد المصادقة على القانون، على وثيقة متفق عليها صادرة عن الجهة الداعية إلى الإضراب تحدد المواد التي ما تزال محل الاعتراض. كما أن ما وقف عليه يتمثل أساسا في آراء شخصية لمحامين، إلى جانب ما وصفه بالسب والشتم والاستهزاء والسخرية. معتبرا أن هذه الممارسات لا تليق بمهنة النبلاء ولا تساعد على بناء نقاش مهني جاد. ومؤكدا أن المطلوب هو تقديم مطالب واضحة ومحددة يمكن مناقشتها ومعالجتها.
الرميد يحذر من مواجهة غير متكافئة ومن تداعيات الإضراب
واعتبر مصطفى الرميد أن منطق التدافع يفضي في النهاية إلى الحسم لفائدة الجهة التي تستند إلى ثقل المجتمع ومؤسساته، بناء على معقولية المطالب وصدقيتها. معتبرا أن نجاح أي معركة مطلبية يرتبط كذلك بنجاعة التواصل وأهميته، وبقدرة الفئة المحتجة على قراءة موازين القوى. ومشيرا إلى أن خوض معركة مطلبية دون دعم مجتمعي، والوصول بها إلى درجة الإضراب الشامل، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ومؤكدا أن هذا ما وقع ويقع حاليا في مواجهة المحامين مع الحكومة، وفق تقديره.
وشدد وزير العدل السابق على أن المحامين يخوضون مواجهة غير متكافئة مع الحكومة، معتبرا أن النتيجة محسومة مسبقا بالنظر إلى المعطيات الموضوعية. مشددا السابق إن أي معركة احتجاجية تحتاج إلى مراعاة موازين القوى وعدم الاكتفاء بقوة الاحتجاج وحدها. مضيفا أن معقولية المطالب وصدقيتها ونجاعة التواصل بشأنها عناصر أساسية في تحقيق النتائج. ومؤكدا أن استمرار الإضراب في الظروف الحالية لن يؤدي، في تقديره، إلى تغيير موازين القوى لصالح المحامين.
ويرى المحامي في هيئة البيضاء أن من حق المحامين الدفاع عما يرونه سلبا لحقوقهم أو إخلالا بأوضاعهم المهنية، لكنه لا يعتبر الإضراب الأسلوب المناسب لمهنتهم. موضحا أن الإضراب يكون في مواجهة أصحاب القرار بهدف الضغط عليهم عبر النيل من مصالحهم وإجبارهم على الاستجابة للمطالب. ومضيفا أن إضراب المحامين يؤدي أساسا إلى الإضرار بحقوق الموكلين وبمصالح المحامين أنفسهم. ومؤكدا أن الوزارة والحكومة، بحسب تجربته في قراءة الوضع، لن تعبآ بهذا الإضراب بالشكل الذي يحقق أهدافه.
واستحضر مصطفى الرميد علاقة المحامين بالقانون، مشيرا إلى أن القانون كان دائما سلاحهم في المذكرات والمرافعات والطعون، بما فيها عرائض النقض. وأن المحامين يستندون في ممارستهم إلى أسباب قانونية من قبيل خرق القانون وانعدام التعليل وغيرها. متسائلا في المقابل عما إذا كان المحامون قد احترموا القوانين الجاري بها العمل أثناء الإضراب. ومشددا على أن الدفاع عن القانون يفترض، بحسب رأيه، احترام مقتضياته من طرف من يتولى مهمة تطبيقه والدفاع عنه.
وأشار المتحدث إلى المادة 50 من القانون الجديد، معتبرا أنها تضع حدا للاتفاق على الامتناع بشكل كلي عن القيام بالواجب تجاه القضاء. كما أن هذا المقتضى كان مقررا أيضا في القانون القديم وتم الاحتفاظ به في النص الجديد. مضيفا أن ذلك يطرح سؤالا حول مدى انسجام قرار الإضراب الشامل مع هذه المقتضيات القانونية. ومؤكدا أن احترام القانون يجب أن يكون جزءا من المعركة المهنية نفسها، خصوصا بالنسبة إلى المحامين.
كما أثار مصطفى الرميد في ذات التدوينة مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم الإضراب، مشيرا إلى المادة 21 التي تتعلق بمرفق العدالة باعتباره مرفقا حيويا. وقال وزير العدل والحريات السابق إن هذه المقتضيات توجب توفير الحد الأدنى من الخدمة بالنسبة إلى المضربين في هذا المرفق. معتبرا أن ذلك كان يستوجب الاستمرار في مؤازرة المعتقلين، إلى جانب استثناء القضايا الاستعجالية من قرار الإضراب. ومشددا على أن طبيعة مرفق العدالة تفرض، في نظره، مراعاة مصالح المتقاضين وعدم تعطيل حقوقهم الأساسية.
تحذير من المساس بحقوق المعتقلين ومن إضعاف مهنة المحاماة
وطرح الرميد سؤالا حول حق المحامين في الإضراب عن مؤازرة المعتقلين في القضايا الزجرية والجنائية، معتبرا أن الأمر يتعلق بقضايا ذات حساسية خاصة. حيث أن المحامين كانوا، وينبغي أن يظلوا، على الدوام مساندين للحرية ومنافحين عنها مهما كانت الظروف والأحوال. مشيرا إلى أن هذا الدور لا ينبغي أن يسقط حتى عندما يكون الاحتجاج موجها ضد قانون يعتبره المحامون مجحفا أو سيئا. ومؤكدا أن مؤازرة المعتقلين يجب أن تستمر مهما كانت دوافع الإضراب ومبرراته.
وحذر المتحدث من أن استمرار الإضراب قد يدفع المحاكم إلى اعتماد اجتهاد قضائي معروف يسمح بمناقشة القضايا الجنائية والبت فيها في حالة الإضراب دون محامين. معتبرا أن هذا الاحتمال هو من أكثر الأمور التي يخشاها على مستقبل المهنة. مضيفا أن الناس، أو بعضهم على الأقل، قد يكتشفون إمكانية الاستغناء عن المحامين إذا أصبحت القضايا تناقش وتصدر فيها الأحكام في غيابهم. ومؤكدا أن هذا الوضع قد تكون له تداعيات عميقة على صورة المهنة ومستقبلها.
وأوضح مصطفى الرميد أن خطورة هذا الاحتمال تزداد، في تقديره، إذا اتجهت الأحكام في بعض القضايا إلى تخفيف العقوبات رغم غياب المحامين. حيث أن المتقاضي قد يستنتج عندها أن وجود المحامي ليس ضروريا دائما لضمان حقوقه. مشيرا إلى أن مثل هذا التطور قد يضعف مكانة المهنة ويجعلها تواجه واقعا صعبا. ومشددا على أن الأمر قد يصل، لا قدر الله، إلى وضع “غير قابل للترميم والإصلاح”.
الرميد: محامون يعلنون الإضراب على الصفحات ويواصلون تقديم المذكرات في الملفات
وانتقد مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات السابق، ما وصفه بمزايدة بعض المحامين على بعضهم البعض في موضوع الإضراب، وملء صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالضجيج انتصارا لهذا الموقف. مشيرا إلى أن بعض المحامين يعلنون الإضراب بشكل قوي عبر صفحاتهم، بينما يحرصون في الواقع على تقديم مذكراتهم وإيداعها في الملفات.
ووصف الرميد هذه الوضعية بالقول إن أصحابها «مضربون في وسائل التواصل الاجتماعي، مشتغلون في الواقع». معتبرا أن هذا التناقض يطرح أسئلة حول مدى الانسجام بين المواقف المعلنة والممارسة الفعلية. ومضيفا أن الجهات الرسمية المعنية بالموضوع تتابع هذه السلوكيات عن كثب، وتتوفر على إحصائيات ومعطيات بشأن التطبيق الفعلي للإضراب.
وأشار وزير العدل والحريات السابق إلى أن الأمر وصل، في إحدى الهيئات، إلى حد الإذن لمحامين بمؤازرة محام معتقل. في حين لم تشمل المؤازرة باقي المتهمين. وقال إن مثل هذه الوقائع تكشف، عن تفاوت بين القرارات المعلنة بشأن الإضراب وبين كيفية تطبيقها على أرض الواقع.
انتقاد للحكومة الحالية ودعوة إلى التفاوض مع الحكومة المقبلة
وأكد مصطفى الرميد أن الحكومة أخطأت في تدبير ملف القانون المنظم لمهنة المحاماة، رغم موقفه الرافض لاستمرار الإضراب الشامل. وقال إن التصريحات المسيئة للمحامين الصادرة عن وزير العدل زادت الطين بلة. معتبرا أنها لم يكن لها ما يبررها وساهمت في تعقيد النقاش حول القانون.
وشدد الرميد على أن من حق المحامين الاحتجاج على ما يرونه مساسا بحقوقهم أو إخلالا بأوضاعهم المهنية. موضحا أن ذلك يمكن أن يتم عبر البلاغات والوقفات وغيرها من أشكال التعبير عن المطالب. ومؤكدا أن رفضه لاستمرار الإضراب لا يعني رفض حق المحامين في الدفاع عن مصالحهم المهنية. مع التشديد على حساسية قضايا المعتقلين وضرورة عدم التفريط فيها.
وجدد الرميد التأكيد على أنه، حتى إذا كان هناك مبرر للإضراب، وهو موقف قال إنه لا يوافق عليه، فإنه لا يرى جدوى من استمراره بعد نشر القانون في الجريدة الرسمية. واصفا الظرفية الانتخابية الحالية بأنها «زمن ميت تشريعيا». ومعتبرا أن استمرار الاحتجاج لن يحقق، في هذه المرحلة، نتائج تشريعية.
ودعا المحامي بهيئة الرباط، إلى إيقاف الإضراب إلى غاية تشكيل الحكومة المقبلة. ثم الدخول معها في مفاوضات جديدة بشأن المقتضيات التي يرى المحامون ضرورة تعديلها وإصلاحها. ومشددا على أن تحديد المواد محل الاعتراض بدقة سيسمح بفتح نقاش جدي، قبل اتخاذ أي خطوات احتجاجية جديدة، قائلا: «لكل حادث حديث»


