بقلم: عمر لبشيريت
طيلة أسبوع كامل، غابت الأحزاب، وغابت السياسة، وغابت الحكومة، لتحل محلها “الزاوية”.
انشغل الناس بموجة الحر، والغلاء، وبصراع الزعامة على قيادة الطريقة القادرية البودشيشية. واحتلت الزاوية وأخبار “الانقلاب” داخلها اهتمام وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، واشتد النقاش بين داعمي كل طرف.
ومع كل بيان أو بلاغ، أو تسجيل فيديو، كان الاهتمام يزداد، والتحليلات تتكاثر، والمتابعات تتواصل، وتتناسل الفرضيات و”لوبيات الضغط” من كل جانب.
عاد المغاربة إلى قراءة تاريخ الزوايا، وتعرفوا من جديد على مفاهيم التصوف ومفردات تدبير الزوايا: السر، المشيخة الظاهرية، الإذن بالتربية، القطب الرباني…
هكذا، وجد الناس موضوعًا حيًا يزيح عنهم همّ تتبع أخبار الأحزاب الكسيحة، ورتابة البيانات، و”كاسيطات” البلاغات الحكومية.
أسبوع كامل والناس منشغلة بأخبار الزاوية البودشيشية، وكأن المغرب عاد إلى الوراء، إلى ما قبل ظهور الظاهرة الحزبية، إلى عهد المرينيين. أو ربما عادت الأحزاب المغربية إلى “أصلها” الأول: الزاوية.
كانت السياسة والأحزاب والحكومة في عطلة، وحده وزير الداخلية ظل مرابطًا بوزارته للوقوف على تنزيل “البرنامج الترابي والتنموي الجديد” مع الولاة والعمال.
ولا ندري كيف سيتعامل هؤلاء، باعتبارهم منسقين لأعمال المصالح الخارجية للإدارات والمؤسسات العمومية، مع تعدد البرامج. هل سينزلون برنامج عزيز أخنوش، أم برنامج عبد الواحد لفتيت؟
ثم كيف سنتابع نحن، كوسائل إعلام وكمواطنين، هذا “التعدد”؟ وهل هو تعدد “شرعي” أم ب”الفاتحة”، ومن سنراقب ونحاسب؟
عادة، خلال سنة الانتخابات، تكون الحصيلة واضحة، وتكون اتجاهات الرأي العام قد بدأت في الإعلان عن نفسها، رغم أن المغرب لا يسمح بقياس اتجاهات الناخبين.
لكن الأمور اختلطت الآن. هل سيصوت الناخبون على برنامج أخنوش، أم على برنامج لفتيت؟ أصبحنا أمام حكومة برأسين، أو برنامجين داخل نفس الحكومة.
لذلك، لن ينفع أمام هذه الدوخة التي جاء بها الصيف سوى “الهروب” نحو الزاوية.
فعندما تتعقد وتتشابك أمور “الظاهر” يهرب الناس نحو “الباطن”. يصبح هو الملاذ والملجأ. نغادر “البيان” نحو “الغنوصية”.. نحتمي بالخلوة حتى تتضح الأمور ويظهر السر أو الفتح.
فمن سيفتح الله عليه بـ”حكومة المونديال” و”مشيخة مداغ”؟ هل هي صناديق الاقتراع أم “توريث السر من سيحسم الأمر ”؟
هذا هو السؤال الذي يلح اليوم. فمصير واختيار “حكومة المونديال” أصبح أكثر تعقيدًا أمام وجود “برنامجين” على طاولة العرض. ومصير “مشيخة مداغ” يصعب الحسم فيه أمام بروز “شيخين” في السباق نحو “الرياسة”.
كل هذا وقع في الصيف، وفي عز الحر، وأمام غياب السياسة والأحزاب والحكومة، ما عدا رجلين يخيم ظلهما على ما يجري: عبد الواحد لفتيت وأحمد التوفيق.
ولكن أين هو السيد عزيز أخنوش أمام كل ما يحدث؟ إلى حد الآن، يظهر أنه لا يلمّ لا بعلم “الظاهر” ولا بعلم “الباطن”. كأنه “كبير المفوضين” يقتصر دوره على تصريف الأعمال إلى أن يأتي “الفتح”.
وفي انتظار هذا “الفتح”، وانكشاف السر عن صاحب “حكومة المونديال”، فما على أحزابنا سوى العودة إلى الأصل: الزاوية. ما دام المريدون متوفرين و”الشيوخ” قائمين على شؤون الأحزاب، لا يتزحزحون، ويتوارثون “المشيخات” أو يورثونها.

