حذر أحمد بوز، منسق فريق البحث في الأداء السياسي والدستوري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، من تنامي مظاهر العزوف السياسي وتراجع نسب المشاركة الانتخابية. معتبرا أن هذه المؤشرات تعكس “أزمة ثقة فعلية بين المواطن والمؤسسات”، وتشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاستحقاقات المقبلة. كما نبه إلى تأثير المال والنفوذ باعتبارهما عاملين “مشوهين لمبدأ تكافؤ الفرص” ومعيقين لإفراز نخب سياسية جديدة تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع المغربي.
وأكد بوز، خلال افتتاح الندوة العلمية المنظمة يوم الاثنين 22 يونيو تحت عنوان “انتخابات 2026: القانون، الفاعلون، والتحديات الديمقراطية”. أن الانتخابات المقبلة تأتي في سياق سياسي، يجعل منها “اختبارا حقيقيا لمدى قدرة المنظومة السياسية على التجاوب مع تطلعات المواطنين”. وعلى معالجة الاختلالات المتراكمة التي باتت تمس مصداقية العملية الانتخابية.
وشدد المتحدث على أن الانتخابات لا يمكن اختزالها في كونها إجراءً تقنيا أو استحقاقا دوريا. بل تمثل “المرآة التي تعكس صحة العلاقة بين الحاكم والمحكوم”. و”الميزان الذي توزن به درجة الثقة بين المواطن ومؤسساته”. فضلا عن كونها مؤشرا لقياس مستوى الوعي السياسي داخل المجتمع.
واعتبر بوز أن المغرب راكم خلال العقود الماضية تجربة انتخابية “غنية ومحترمة”. غير أن استحقاقات 2026 تفرض أسئلة جديدة مرتبطة بمدى قدرة القوانين الانتخابية الحالية على مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة. ومدى مساهمة الهندسة الانتخابية ونمط الاقتراع في إفراز مؤسسات تمثل الإرادة الشعبية الحقيقية. “وليس فقط توازنات إدارية أو تأثيرات نافذة”.
وفي هذا السياق، أبرز أن ضمان نزاهة الانتخابات يمر أولا عبر وجود إطار قانوني واضح وعادل. يكفل تكافؤ الفرص بين المتنافسين ويحدد المساطر والآليات الرقابية بشكل دقيق. غير أن الرهان الحقيقي يظل في مدى تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع.
وأشار إلى أن التجارب الانتخابية السابقة أظهرت وجود فجوات متكررة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية. وهو ما يثير، حسب تعبيره، تساؤلات مستمرة حول حياد الإدارة الانتخابية. وقدرة الأحزاب السياسية على تجديد نخبها وخطاباتها. فضلا عن تأثير وسائل الإعلام في توجيه السلوك الانتخابي وصناعة المواقف السياسية.
كما شدد على أن الانتخابات ليست عملية تحكمها النصوص وحدها. بل هي نتاج تفاعل معقد بين مجموعة من الفاعلين، من أحزاب سياسية وإدارة انتخابية وسلطة حكومية وإعلام ومجتمع مدني. ما يجعل نجاحها رهينا بمدى التزام مختلف المتدخلين بقواعد الشفافية والنزاهة.
وفي ما يتعلق بدور المجتمع المدني، أكد بوز أنه لا يمكن الحديث عن منظومة انتخابية نزيهة دون حضور قوي وفاعل لهذا المكون. ليس بصفته متفرجا على العملية الانتخابية، بل كشريك في الملاحظة والرقابة وضمانة ضد “الممارسات المشبوهة”. ودعا إلى تعزيز فعالية الملاحظة الانتخابية وتطويرها بما يتجاوز الرقابة الشكلية نحو رقابة موضوعية قادرة على التأثير في نزاهة ومصداقية الانتخابات.
واعتبر أن تنظيم هذه الندوة يأتي في لحظة يتعاظم فيها الوعي بأهمية الإصلاح السياسي باعتباره خيارا استراتيجيا. وبضرورة تطوير الممارسة الانتخابية كمدخل لتعزيز الدولة الديمقراطية والمؤسساتية. وأوضح أن الهدف من هذا اللقاء الأكاديمي يتمثل في تقديم قراءة علمية موضوعية لقضايا الانتخابات. وفتح نقاش بين الباحثين والخبراء من أجل بلورة تصورات ومقترحات يمكن أن تسهم في إغناء النقاش العمومي حول الإصلاح الانتخابي.
وشدد أحمد بوز على أن انتخابات 2026، تمثل “فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. وتجديد الشرعية المؤسساتية، واختبار قدرة الفاعلين على الانخراط في دينامية إصلاحية جادة”. وأضاف أن الديمقراطية ليست مفهوما جامدا، بل ممارسة متجددة. وأن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق التمثيل الحقيقي والعدالة الاجتماعية والمشاركة المواطنة الفاعلة.

