تعود عادة “بوجلود” المرتبطة بعيد الأضحى، لإثارة الجدل في كل سنة، بين من يعتبرها من صميم الموروث الأمازيغي المغربي. وبين من يرى أنها انحرفت في صيغتها الحالية عن طبيعتها الأولى لتدخل خانة “الوثنية” و”التخلف”.
ويرفض أبناء المنطقة هذا النوع من الاتهامات. مؤكدين أن “بوجلود” ليس سوى موروث ثقافي وشعبي يعكس خصوصية المنطقة وهويتها الأمازيغية. وأن ما يرافقه من تنكر واحتفالات يدخل في إطار الفرجة والاحتفاء الجماعي بعيد الأضحى. بعيدا عن أي دلالات وثنية أو معتقدات دينية كما يروج البعض.
وتنفرد منطقة سوس باحتفالات “بوجلود” التي تتطور سنة بعد أخرى من حيث الشكل والديكور والماكياج لتواكب تطور العصر. حيث يرتدي المشاركون جلود الأضاحي وأزياء تنكرية متنوعة. ويجوبون الشوارع والأحياء وسط أجواء احتفالية تجذب أعدادا كبيرة من المتابعين.
في المقابل، تشتهر مناطق أخرى بما يعرف بـ”السبع بو البطاين”. حيث يرتدي الشباب سبع بطانات من جلد الخروف. ويجوبون الشوارع في مشاهد تعكس البهجة الجماعية والارتباط بالعادات المحلية التي لم تندثر. بالرغم من التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع المغربي.
خولة اجعيفري، واحدة من أبناء أكادير التي تشهد هذا الحدث، قالت إن الجدل الدائر حول بوجلود اليوم، لا يقول الكثير عن بوجلود، بقدر ما يقول الكثير عنا كمجتمع مغربي.
كما نبهت اجعيفري في تصريحها لصحيفة “سفيركم” الإلكترونية، إلى أن هذه الممارسة (أي بوجلود) ظلت موجودة في سوس وفي عدد من المناطق المغربية لعقود طويلة. بل لقرون بحسب الكثير من الدراسات الأنثروبولوجية دون أن تثير كل هذا القدر من التوتر وما وصفته بـ”الاصطفاف” الذي نشهده اليوم.
وأفادت المتحدثة، أنها وُلدت وكبرت في حي يعتبر القلب النابض لـ”بيلماون” في مدينة أكادير، ولم تشهد أو تعايش هكذا نقاشات في فترات سابقة. موضحة أن بوجلود بالنسبة لأبناء سوس لم يكن يوما طقسا دينيا ولا عقيدة موازية للدين، كما يحاول البعض تصويره. بل كان جزءا من احتفالية جماعية مرتبطة بعيد الأضحى. ومظهرا من مظاهر الفرح الشعبي الذي يعلن نهاية فترة من الاستعدادات والطقوس العائلية. وبداية لحظة جماعية يخرج فيها الناس إلى الفضاء العام للاحتفال.
وترى اجعيفري أن الخطأ الذي يقع فيه كثير من النقاش الدائر حول بوجلود اليوم هو التعامل معه كظاهرة ثابتة خارج التاريخ. بينما تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية نفسها التي تناولت بيلماون أو بوجلود الغربية أو حتى المغربية. أن الأمر يتعلق بموروث ثقافي واجتماعي عرف تحولات عميقة عبر الزمن شأنه شأن كل أشكال التراث الحي في العالم.
وأوردت اجعيفري، أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول ما إذا كان بوجلود “مقبولا” أو “مرفوضا”. بل حول قدرتنا كمغاربة على فهم تراثنا في سياقه التاريخي والثقافي، على اعتبار أن كل المجتمعات تمتلك موروثات احتفالية ورموزا شعبية تراكمت عبر قرون.
وتابعت أن هذه الموروثات تتم إعادة إنتاجها باستمرار وفق تحولات المجتمع وقيمه وحاجاته ولا تبقى جامدة. وهذا ما حدث مع بوجلود الذي انتقل من ممارسة محلية. مرتبطة بالاحتفال الجماعي بعد عيد الأضحى وبمسرحية تبادل الأدوار كما أوردها الانثروبولوجي عبد الله حمودي. إلى رمز ثقافي وهوياتي، يحضر اليوم في النقاش العمومي، لكن أيضا في التظاهرات الثقافية والفنية وفي وجدان والذاكرة العاطفية للأمازيغ.
ابنة المنطقة، نبهت في تتمة حديثها ل”سفيركم”، إلى أن الجزء الأكبر من الجدل الحالي، لا يتعلق ببوجلود نفسه، بقدر ما يتعلق بعلاقتنا بالذاكرة الجماعية. مفسرة ذلك بأننا “نعيش في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على إخراج أي ممارسة من سياقها المحلي والتاريخي وإعادة تقديمها داخل سجالات حادة ومختزلة”. ما جعل من التراث موضوعا للمحاكمة بدل أن يكون موضوعا للفهم والتحليل وهذا “جدا مزعج” بحسب المتحدثة.

