النوم ليس مجرد لحظات من الراحة الجسدية، بل يشكل حجر الزاوية للصحة النفسية والقدرات المعرفية، حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن جودة النوم تؤثر بشكل مباشر على قدرة الدماغ على تنظيم العواطف، ومعالجة الضغوط اليومية، وتقوية الذاكرة، فالحرمان منه أو اضطرابه لا يضر فقط بالنشاط البدني، بل يزيد من الانفعال، والتوتر، ويضعف اتخاذ القرار وحل المشكلات، ليصبح النوم بذلك أداة استراتيجية لا غنى عنها لحياة نفسية وعقلية متوازنة.
وفي هذا السياق، أفاد محمد أمين الهاتفي، أخصائي نفسي اكلينيكي، في تصريح لجريدة “سفيركم” الإلكترونية، إن جودة النوم تعد أحد الركائز الأساسية للصحة النفسية والعاطفية، وليست مجرد عامل داعم للصحة البدنية، مضيفا أن النوم الجيد يعزز قدرة الدماغ على تنظيم العواطف والتحكم في الاستجابات اليومية، من خلال تعزيز الاتصال بين القشرة الجبهية الأمامية المتوسطة (medial prefrontal cortex) واللوزة الدماغية (amygdala)، مركزين حيويين لإدارة العواطف.
وأوضح الهاتفي أن القشرة الجبهية تعمل كآلية رقابية عقلانية على المراكز العاطفية العميقة، ما يمكن الفرد من تقييم المواقف بشكل منطقي حتى في الحالات العاطفية الشديدة، بينما تتولى اللوزة الدماغية معالجة الاستجابات الأولية والعاطفية، مبرزا أن الحرمان من النوم يضعف هذا الاتصال العصبي، ويرفع نشاط اللوزة الدماغية بنسبة تصل إلى 60% في بعض الدراسات، ما يجعل الشخص أكثر حساسية تجاه المواقف اليومية، ويزيد احتمالات الانفعال المفرط والتوتر والقلق.
وأكد الهاتفي أن الحرمان المستمر من النوم، وخاصة النوم العميق ومرحلة REM، قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية حادة، مثل الاكتئاب أو الهلاوس أو حالات جنون الارتياب، ويضع الفرد في دائرة من القلق المستمر والانفعال المفرط، مبرزا أن اضطرابات النوم تعتبر مؤشرا تنبؤيا للمخاطر النفسية الأكثر حدة، بما في ذلك التفكير الانتحاري، إذ أظهرت الدراسات أن التغيرات في أنماط النوم، مثل الحرمان أو القيلولة القصيرة المتقطعة أو تكرار الكوابيس، يمكن أن تكون علامات مبكرة قبل ظهور الأعراض السلوكية، حيث أن تحسين جودة النوم يجب أن يكون جزءا من أي خطة علاجية للصحة النفسية، سواء من خلال تعديل نمط الحياة، إدارة التوتر، أو التدخلات العلاجية المباشرة مثل العلاج السلوكي المعرفي المرتبط بالنوم (CBT-I).
وقال الهاتفي إن النوم الكافي يعزز الذاكرة والقدرات المعرفية عبر عملية ترسيخ الذاكرة (memory consolidation)، حيث ينقل الدماغ المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى طويلة المدى خلال النوم، مؤكدا:” إن الدراسات أظهرت أن الدماغ يعيد “تشغيل” الأحداث اليومية أثناء النوم، مما يقوي الروابط العصبية بين الحصين والقشرة الجبهية، ويعزز القدرة على الاسترجاع والتعلم المستقبلي” ، إضافة إلى ذلك، تعد مراحل النوم المختلفة تؤدي وظائف متخصصة، حيث تساهم مرحلة النوم غير الريمي في تعزيز الذاكرة الإجرائية المرتبطة بالمهارات الحركية، بينما يعالج النوم السريع (REM) الذكريات العاطفية ويفصل الشحنة العاطفية عنها، ما يعزز اتخاذ القرار وحل المشكلات.
وأوضح الهاتفي أن القيلولة القصيرة بعد التعلم تساعد أيضا على ترسيخ المهارات والمعلومات، عبر تنشيط الشبكات العصبية المرتبطة بها، ما يحسن الأداء المعرفي والحركي، مشيرا إلى أن قلة النوم تؤثر على المزاج والسلوك اليومي، إذ يؤدي ضعف الاتصال بين القشرة الجبهية واللوزة الدماغية إلى الانفعال المفرط، القلق، التوتر، وتراجع الأداء المعرفي، حيث أكد أن النوم غير الكافي يزيد نشاط النظام السمبثاوي المسؤول عن التوتر، ويقلل من نشاط النظام الباراسمبثاوي المسؤول عن الاسترخاء، ما يجعل الدماغ والجسم في حالة استعداد دائم للضغط النفسي، فالأطفال والمراهقين أكثر حساسية لنقص النوم بسبب نمو أدمغتهم، في حين يؤثر الحرمان من النوم على التركيز، الأداء الدراسي، التحكم بالعواطف، والذاكرة.
واعتبر الهاتفي أن الشباب والبالغين يتأثرون في القدرة على اتخاذ القرارات وحل المشكلات، بينما كبار السن معرضون أكثر للاضطرابات المعرفية والاكتئاب نتيجة ضعف جودة النوم، معبرا أن النوم الجيد يقلل مستويات التوتر والقلق من خلال إعادة توازن الأنظمة العصبية والهرمونية، خاصة تقليل إفراز الكورتيزول وخفض ضغط الدم، ما يخلق حالة من الهدوء الداخلي تساعد الدماغ على معالجة المشاعر بشكل أفضل، مشيرا إلى أن النوم العميق ومرحلة REM يسهمان في فصل الشحنة العاطفية عن الذكريات، ما يدعم التنظيم النفسي والاستعداد العقلي اليومي.
وفي ختام حديثه، شدد الهاتفي في تصريح لـ ” سفيركم” على أهمية اتباع نصائح عملية لتحسين النوم، منها: الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ، ضبط الضوء والظلام، الحفاظ على درجة حرارة مناسبة للغرفة، الحد من الكافيين قبل النوم، ممارسة تمارين الاسترخاء والتأمل، والقيلولة الاستراتيجية عند الحاجة، قائلا: ” إن تحسين النوم ليس مجرد راحة جسدية، بل أداة استراتيجية لتعزيز التعلم، ترسيخ الذاكرة، تنظيم العواطف، وحماية الدماغ من الاضطرابات النفسية والمعرفية”.

