يعكس مشروع قانون المالية لسنة 2026، رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، مع ترسيخ دولة القانون والتنمية المستدامة.
ويتوقع المغرب تسجيل نمو اقتصادي بنسبة 4.6% خلال 2026، مدعوما بالطلب الداخلي المتزايد والاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ارتفعت بنسبة 14.3% خلال عام 2025، كما سجلت الإيرادات السياحية ارتفاعا ملحوظا، فيما تبرز القطاعات الاستراتيجية مثل الصناعة والفلاحة الحديثة والصيد البحري والسياحة كركائز رئيسية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن إجمالي نفقات الدولة سيرتفع إلى حوالي 761 مليار درهم في 2026، بزيادة 5.5% مقارنة بالعام الماضي، مع تخصيص 347 مليار درهم للنفقات الجارية و136 مليار درهم للاستثمار العمومي، ما يعكس استمرار المشاريع الكبرى في البنية التحتية والطاقة والنقل.
بالمقابل، تصل الموارد إلى حوالي 713 مليار درهم، بزيادة 8.3%، وتعتمد بشكل رئيسي على الضرائب المباشرة وغير المباشرة، مع تحسن أداء التحصيل الضريبي بفضل الإصلاحات المستمرة.
يركز مشروع القانون على تبسيط الإجراءات الضريبية، توسيع الاقتطاعات عند المصدر، وتخفيض تدريجي للضرائب على الفئات الصغيرة والمتوسطة، كما يشمل استمرار مساهمة التضامن الاجتماعي على الأرباح والدخل حتى سنة 2028، في إطار تعزيز التماسك الاجتماعي ودعم الفئات الهشة. ويعد المشروع مرحلة متقدمة نحو تعزيز دور الدولة كمحفز للاستثمار، من خلال دعم المشاريع الكبرى في مجالات النقل والطاقة المتجددة والتقنيات الرقمية، وتفعيل صندوق محمد السادس للاستثمار، مع توسيع مساهمة القطاع الخاص لتصل إلى ثلثي الاستثمارات في أفق 2035.
ويحظى قطاعا التعليم والصحة بأولوية واضحة، مع رفع موازناتهما بنسبة تفوق 8% مقارنة بالسنة الماضية، وتوسيع التأمين الإجباري عن المرض لتغطية 88% من السكان، إضافة إلى تعزيز الحماية الاجتماعية، دعم القدرة الشرائية، ومواصلة مشاريع إعادة الإعمار للسكان المتضررين من الكوارث الطبيعية.
كما يمثل المشروع تحولا نحو التنمية الترابية المندمجة، من خلال برامج تنموية تستهدف المناطق الجبلية والواحاتية والساحلية، مع تعزيز الاستثمار المنتج محليًا وخلق فرص عمل، وتحسين جودة الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، في إطار استراتيجية وطنية لإعادة توزيع التنمية بين الجهات بشكل عادل.
ويواصل المغرب إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية لتعزيز الأداء المالي والإداري، مع تطوير الإدارة العامة، رقمنة الخدمات، وتعزيز استقلالية القضاء، إضافة إلى ربط التشغيل العمومي بالأولويات الاجتماعية واعتماد منطق المردودية والكفاءة.
ويعكس مشروع القانون قدرة الحكومة على التحكم في عجز الميزانية، حيث ارتفعت الموارد بنسبة 8.3% مقابل زيادة النفقات بنسبة 5.5%، ما ساهم في تقليص العجز إلى 3% من الناتج الداخلي الخام، مع الاستمرار في تعزيز الانضباط المالي واستثمار التمويلات الخارجية بشكل فعال.
ويمثل مشروع قانون المالية لسنة 2026 خارطة طريق شاملة للمغرب، تجمع بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تعزيز الدولة الاجتماعية، الاستثمار المنتج، والعدالة المجالية، ليؤسس لمسار نمو مستدام يحقق رفاهية المواطن ويعزز مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا، رغم التحديات المستمرة المرتبطة بالأسواق العالمية والموارد الطبيعية.

